ذكرى محمد القصبجي ما يستحق الإنصات
مع حلول الذكرى الستين لغياب الملحن محمد القصبجي (1892- 1966)، تجدّدت الأحاديث القديمة عن مكانته الكبيرة بين الموسيقيين المصريين والعرب، وعن كونه أستاذاً لكثيرين منهم، وفي مقدمتهم أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وأسمهان، واجترت الصحف ما اعتادت تكراره من كلام عن الموسيقار المظلوم، الذي انتفعت أم كلثوم بألحانه حتى استوت على عرش الغناء، ثم أهملته، وتوقفت عن التعاون الفني معه، ليبقى خلفها عواداً، يجلس عن يسارها، بملامح ثابتة، كأنه تمثال للحزن النبيل.
منذ رحيل الرجل، لم يتوقف النقاد والهواة ومحررو الصفحات الفنية عن الحديث عن تجديد القصبجي، وتقدمية القصبجي، وسبق القصبجي لعصره، وتأثر مجايليه بألحانه، مع الإلحاح على أنه لم ينل ما يستحق من جماهيرية أو تكريم.
وكما يتكرر المعنى عن التطوير والتجديد، تتكرر البراهين الدالة عليهما، وهي دائماً محصورة في عدد قليل جداً من الألحان، في مقدمتها رق الحبيب ومدام تحب بتنكر ليه لأم كلثوم، ويا طيور لأسمهان، وقلبي دليلي لليلى مراد، قبل أن تنضم إلى الباقة أغنية يا ترى نسي ليه لفتحية أحمد.
وقد خلقت هذه الحالة النقدية تياراً من المتباكين على الفرصة الضائعة التي فقدها العرب بتوقف محمد القصبجي عن التلحين أو انخفاض إنتاجه خلال عشرين عاماً قبل رحيله، لتصبح الذكرى السنوية للرجل طقساً حزيناً، ومأتماً منصوباً في الصحف والإذاعات، يتفكر في أسباب نضوب المعين التلحيني لصاحب رق الحبيب، ويذكر الجمهور بالأبعاد التعبيرية لرائعة يا طيور، أو إيقاع الفالس الذي يدل -بنظرهم- على تجاوز العصر كما في قلبي دليلي ويا ترى نسي ليه.
ولا ريب أن هذه الطريقة في التعامل مع التاريخ الفني للقصبجي تضر ضرراً بالغاً بفهم مسيرة الرجل، وترسّخ حالة نسيان وإهمال للجانب الأكبر من إنتاجه، بعدما أعرض الجهد والنقد والإعلام عن مجمل منجزه التلحيني، وانشغل بما اعتبره ظلماً فنياً أضاع على الجماهير فرصة الاستمتاع بألحان أخرى لهذا الموسيقار الاستثنائي.
فالكتابة الشائعة عن محمد القصبجي تنشغل بالمفترض عن الحقيقي، وبما لم يُنجز عما هو قائم ينادي: أين المستمعون؟ أين النقاد؟ أين الكتاب المتباكون على
ارسال الخبر الى: