ديمقراطية الانتساب الفوضوي
في مقهى قاهريّ مزدحم، ليلة انتخاب أوباما سنة 2008، ترك صاحب المقهى زبائنه والتصق بالتلفزيون كأنّه يتابع حصاناً راهنَ عليه بكلّ ما يملك، فالتفت إليه أحد الزبائن وسأله بتلك السخرية المصريّة التي لا تخطئ الهدف: هي الانتخابات دي عندنا واحنا مش عارفين ولّا إيه؟. كنت جالساً إلى الطاولة المجاورة، في جملة المدعوّين إلى تظاهرة ثقافيّة، وضحكتُ، وحسبتُ السؤال نكتة تذهب مع فنجان القهوة.
ثمّ مرّت ثمانية عشر عاماً، ولم تتغيّر النكتة. وها هي الشاشات العربية تسهر منذ فجر الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تفكّك أرقام مقاطعة وين، وتحصي أصوات ديربورن، حتّى صار المشاهد يعرف اسم حكيم جيفريز، رئيس مجلس النوّاب المرتقب، ويجهل اسم نائب دائرته، إن كان له نائب. واستطاع ابنُ مهاجرَين مصريَّين أن يصير أوّل مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ، فزفّته العواصم العربية كأنّه ابنُ حاراتها، ولم ينتبه أحد إلى أنّ المقعد كان ديمقراطياً أصلاً، وأنّ ميزان المجلس لم يتحرّك قيدَ شعرةٍ بهذا الفوز، ولا شيء يشير إلى أنه سيتغيّر بكون السيناتور مسلماً، تماماً كما لم يتغيّر الميزان بذهاب الرئاسة إلى رجلٍ أسود. وكما كتبت أيّامها: قد تكون البشرة السوداء أفضل ما يخدم السياسة البيضاء.
ثمّةَ في هذا الفرح المستعار ما يلمح إلى أن الرأي العامّ العربيّ عثر على طريقته في ممارسة الديمقراطيّة: بادّعاء النسب إلى الديمقراطيّين، وادّعاء مصاهرتهم، والتباهي بالفائزين منهم ما إن تكون لهم رائحة جذور حتى من بعيد، والمفاخرة بأصولهم، وتعليق صورهم في النشرات كما تعلّق العائلات صور الأقارب المهاجرين فوق جهاز التلفزيون، ثمّ العودة إلى البيوت مثلما يعود الببّغاء إلى قفصه.
تقتضي الديمقراطية بالمصاهرة أن نصدّق أيضاً أنّ أصهارنا يعملون لفائدتنا، فنقرأ الموجة الزرقاء ثأراً لغزّة، حيث يقرأها الأميركي فاتورةَ بنزين، حتّى إنّ نائب ترامب حمّل حربَ إيران وزر الهزيمة. والصهرُ في أعراف العائلة العربيّة يُكرَم ولا يُستأمَر. يجلس إلى المائدة في الأعياد ثمّ يعود إلى بيته، ولا أحد يطلب منه أن يرمّم سقف أصهاره. ومع ذلك ننتظر من ناخب ميشيغن أن يرمّم سقوفنا، وهو
ارسال الخبر الى: