دبلوماسية ليغو وتحول البروباغندا الإيرانية في الحرب
56 مشاهدة
في حسابات الحرب وميزانها يدعي كل طرف انتصاره في الأسابيع الستة الأخيرة عسكريا قد يبقى التقييم محل نزاع لكن في ميدان البروباغندا والدعاية تميل الكفة إلى الجانب الإيراني في هذه الحرب تحديدا شهدت البروباغندا الإيرانية خلال الحرب الأخيرة تحولا لافتا يتخطى مجرد تحديث للأدوات أو تبني تقنيات جديدة فينتقل في طبيعة الخطاب ذاته وفي الجهة التي تنتجه وفي الجمهور الذي يستهدفه هذا التحول يمكن تتبعه من خلال الوقائع التي رافقت الحرب وكشفت عن نمط جديد من العمل الدعائي يختلف جذريا عن الصورة النمطية التي ارتبطت بالجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها أبرز هذه الوقائع تتمثل في الانتشار الواسع لفيديوهات مصممة بأسلوب ألعاب ليغو تنتجها منصات مثل إكسبلوزيف ميديا التي تحولت خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من المواد الأكثر شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي حاصدة ملايين المشاهدات هذه الفيديوهات رغم بساطتها البصرية وطابعها الكرتوني قدمت مشاهد عن الحرب والقصف وشخصيات سياسية مثل دونالد ترامب ضمن سردية واضحة ترى في إيران طرفا يقاوم هيمنة عالمية تقودها الولايات المتحدة الأميركية اللافت أن هذه المواد على الرغم من احتوائها على معلومات غير دقيقة أو مضللة في بعض الأحيان انتشرت وأعيدت مشاركتها بكثافة ما يعكس تحولا في منطق التأثير الافتراضي الإيراني ركزت هذه الفيديوهات بداية على الشكل البصري المختلف والحديث ثم اعتمدت أيضا على عناصر من الثقافة الرقمية العالمية مثل موسيقى الراب والإشارات إلى قضايا أميركية داخلية كالعنصرية أو الفضائح السياسية في محاولة لربط الصراع الإيراني ــ الأميركي بسرديات أوسع تتعلق بالظلم العالمي واختيار أسلوب ليغو تحديدا يبدو لافتا إذ يعكس وعيا بأن هذه اللغة البصرية قادرة على تجاوز الحواجز الثقافية والوصول إلى جمهور غير إيراني هذا المعطى يشير إلى تحول جوهري في الجمهور المستهدف فبعد عقود من استهداف الداخل الإيراني للإبقاء على التماسك المحلي في ظل الحصار والعقوبات المفروضة أصبحت الآن تخاطب الغرب مباشرة بلغته وأدواته في موازاة ذلك برزت ظاهرة أخرى تمثلت في التحول الذي طرأ على حسابات السفارات الإيرانية حول العالم هذه الحسابات التي كانت تقليديا تلتزم بلغة دبلوماسية رسمية بدأت خلال الحرب باستخدام أساليب ساخرة ونشر ميمز والتعليق nbsp المتهكم على خصوم إيران تحول يعكس بدوره انتقالا في فهم الدبلوماسية نفسها من كونها خطابا رسميا موجها للنخب إلى كونها جزءا من معركة يومية على منصات التواصل حيث تقاس الفعالية بعدد التفاعلات وإن تجاوزت الالتزام بالبروتوكول الدبلوماسي كما أن شخصيات رسمية داخل النظام بدأت هي الأخرى باستخدام مراجع من ثقافة الإنترنت ونشر محتوى أقرب إلى لغة الميم أبرزهم رئيس البرلمان ورئيس الوفد الإيراني المفاوض في باكستان محمد باقر قاليباف ما يشير إلى أن هذا التحول أصبح جزءا من الخطاب الرسمي نفسه ولا يدور على هامشه فقط هذا التداخل بين الرسمي وغير الرسمي بين الدولة والفاعلين الرقميين يمثل سمة أساسية للبروباغندا الإيرانية الجديدة سرع استخدام الذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى دعائي منخفض الكلفة هذه الوقائع مجتمعة تشير إلى أن إيران دخلت مرحلة البروباغندا الرقمية الهجومية التي لا تكتفي بالدفاع عن مواقفها كما كان الحال سابقا فها هي تسعى إلى اختراق الفضاء الإعلامي للخصم والتأثير في جمهوره مستخدمة أدوات الثقافة الشعبية نفسها التي يعتمدها هذا الجمهور وهنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي عاملا حاسما إذ يتيح إنتاج محتوى سريع منخفض الكلفة وقابل للتكيف مع أذواق مختلفة ومبني أصلا على بيانات ثقافية غربية ما يجعله أكثر قدرة على التماهي مع الجمهور المستهدف لكن هذا التحول لا يمكن فصله عن التغيرات داخل بنية النظام نفسه وخصوصا صعود جيل جديد داخل الحرس الثوري هذا الجيل الذي راكم خبراته في حروب غير تقليدية ودموية في سورية والعراق يدرك أن الصراع nbsp يتخطى المواجهة عسكرية ليصبح حربا مركبة تشمل الإعلام والتكنولوجيا كما أن جزءا من هذا الجيل وصل إلى مواقع القرار بعد تراجع أو غياب الجيل الآباء التأسيسي نتيجة الاغتيالات في العقدين الأخيرين ما أتاح له هامشا أكبر لإعادة تعريف أدوات التواصل مع العالم هذا الجيل الجديد يبدو أقل ارتباطا باللغة الدينية التقليدية وأكثر ميلا إلى تبني خطاب ما بعد أيديولوجي لا يتخلى عن مضامين مثل معاداة الغرب أو مناهضة الإمبريالية لكنه يعيد صياغتها بلغة معاصرة ومفهومة وقابلة للتداول في الفضاء الرقمي لذلك نرى تراجعا في استخدام الرموز الدينية الثقيلة مقابل صعود خطاب يعتمد على السخرية الإيقاع السريع والصورة البصرية الجاذبة في المقابل تكشف هذه التحولات أيضا عن حدود النموذج التقليدي للبروباغندا لدى خصوم إيران إذ يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل رغم تفوقهما التكنولوجي ما زالتا تعتمدان في مجال الاتصال السياسي على أساليب تقليدية تخضع لاعتبارات بيروقراطية أو لجيل أقدم أقل إلماما بثقافة الإنترنت ما يجعلهما أقل قدرة على المنافسة في هذا الفضاء حتى محاولات البيت الأبيض نشر ميمز ولقطات ساخرة وأغاني راب في فيديوهات الترويج للحرب والنصر القادم بدت غير مؤثرة حتى أنها أثارت موجة انتقادات واسعة في الإعلام الأميركي نيويورك تايمز وواشنطن بوست على سبيل المثال بسبب التعامل مع الحرب بدمويتها وكلفتها الاقتصادية الهائلة بطريقة ساخرة