خدعة الجنيه الإسترليني صعود هش لا يحاكي المؤشرات الاقتصادية
75 مشاهدة
سجل الجنيه الإسترليني أداء لافتا مع بداية عام 2026 بعدما ارتفع بأكثر من واحد في المئة أمام الدولار في أواخر يناير كانون الثاني مستفيدا من تحسن شهية المخاطرة في الأسواق العالمية وتراجع قوة العملة الأميركية وبحسب بيانات أسواق الصرف في نهاية الأسبوع جرى تداول الجنيه قرب مستوى 1 37 دولار في وقت شهدت فيه الأسواق المالية تحركات حادة عكست حالة عدم يقين أوسع هذا الصعود أعطى انطباعا بعودة قدر من الهدوء إلى التعاملات مع العملة البريطانية بعد عامين من الضغوط غير أن هذا الاستقرار يبدو في نظر الاقتصاديين هشا ومعلقا أكثر على عوامل ظرفية خارجية منه على تحسن جوهري في أساسيات الاقتصاد البريطاني وفي تعليق خاص لـالعربي الجديد يقول لي هاردمن كبير محللي العملات في بنك إم يو إف جي الياباني إن الجنيه استفاد في بداية العام من تراجع توقعات خفض الفائدة من بنك إنجلترا على خلفية مؤشرات تحسن زخم النمو الاقتصادي في بريطانيا بعد انحسار حالة عدم اليقين التي رافقت موازنة العام الماضي غير أنه يشدد على أن الجزء الأكبر من هذا الارتفاع يعود إلى ضعف واسع النطاق في الدولار الأميركي ويحذر من أن هذا العامل الخارجي قابل للتبدد سريعا إلى جانب العوامل النقدية بدأت المخاطر السياسية الداخلية تعود تدريجيا إلى واجهة اهتمام الأسواق لذلك يلفت هاردمن إلى أن الجنيه قد يواجه ضغوطا جديدة مع اقتراب الانتخابات المحلية في مايو أيار لا سيما إذا سجل حزب العمال أداء ضعيفا يثير تساؤلات حول استقرار القيادة الحالية ويرى أن أي إشارة إلى اهتزاز سياسي أو احتمال تحول في التوجهات الاقتصادية قد تدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير المخاطر بسرعة وهو ما ينعكس تقليديا في تراجع العملة البريطانية أمام الدولار واليورو خصوصا في ظل حساسية الجنيه التاريخية تجاه عدم اليقين السياسي هذه المخاوف السياسية ترتبط بنظرة أوسع إلى وضع المالية العامة البريطانية ففي مداخلة خلال مؤتمر التوقعات الاقتصادية لعام 2026 الذي نظمته أكسفورد إيكونوميكس في لندن في 28 يناير وتابعته العربي الجديد يقول أندرو غودوين كبير اقتصاديي المملكة المتحدة في المؤسسة إن الهدوء الذي تشهده الأسواق تجاه بريطانيا منذ إقرار الموازنة الأخيرة قد يكون مؤقتا مشيرا إلى أن الضغوط التي واجهها الاقتصاد البريطاني خلال العامين الماضيين لم تختف بل تراجعت حدتها فقط ويوضح غودوين أن بعض المؤشرات تعطي انطباعا مضللا بالاستقرار إذ تبدو بريطانيا في وضع مقبول مقارنة بدول كبرى أخرى من حيث العجز الأولي ومستوى الدين العام كما أن وجود خطة تشريعية لخفض الاقتراض يمنح الأسواق قدرا من الطمأنينة غير أن هذه الصورة بحسب عرضه تخفي مشكلة أعمق تتعلق بغياب الخصائص الهيكلية التي تسمح لاقتصادات أخرى بتحمل مستويات دين أعلى من دون أن تصبح رهينة لمزاج الأسواق وتتجلى هذه الهشاشة بشكل أوضح عند النظر إلى العلاقة بين كلفة خدمة الدين والنمو الاقتصادي إذ تعد بريطانيا من قلة من الاقتصادات الأوروبية الكبرى التي يتوقع أن تتجاوز فيها كلفة خدمة الدين معدل نمو الناتج المحلي الاسمي خلال السنوات الخمس المقبلة ما يجعل العملة أكثر عرضة لأي صدمة سياسية أو مالية انطلاقا من هذه الخلفية يرى غودوين أن فقدان الثقة في الأسواق قد لا يكون مفاجئا بل قد يبدأ بالتدريج قبل أن يتحول إلى انعطاف أسرع إذا ترافق مع اضطراب سياسي وبرأيه قد تظهر أولى الإشارات في بقاء منحنى العائد حادا أو ازدياد حدته إلى جانب تراجع الجنيه الإسترليني الذي يعتبره مبالغا في قيمته وفق مقاييس التقييم قصيرة الأجل ولا سيما أمام الدولار وفي مثل هذا السيناريو لا يستبعد غودوين أن يتراجع الجنيه إلى مستويات أدنى بكثير من مستوياته الحالية مع احتمال العودة إلى حدود 1 20 دولار في حال تدهور المزاج الاستثماري ويرى أن ضعف العملة في هذه الحالة قد يفاقم الضغوط التضخمية ويقيد هامش المناورة أمام بنك إنجلترا ويفرض على الحكومة المقبلة قرارات مالية صعبة تحت ضغط الأسواق ولا تقتصر الشكوك على بريطانيا وحدها ففي مداخلة خلال المؤتمر يشدد أنخل تالاڤيرا كبير اقتصاديي أوروبا في المؤسسة على أن السياسة المالية لا تزال العامل الأكثر تأثيرا في مسار النمو الاقتصادي رغم تركيز النقاش العام في السنوات الأخيرة على عوامل مثل الذكاء الاصطناعي والجيوسياسة والصدمات العالمية ويشير إلى أن التجربة الأوروبية تظهر أن الخطأ في تقدير اتجاه السياسة المالية غالبا ما يقود إلى أخطاء موازية في توقعات النمو ويلفت تالاڤيرا إلى أن التفاؤل السائد حيال موجة تحفيز مالي واسعة في أوروبا هذا العام قد يكون مبالغا فيه موضحا أن الإعلان عن خطط إنفاق ضخمة لا يعني بالضرورة تحسنا سريعا في النمو خصوصا عندما تكون هذه الخطط كثيفة في مشاريع البنية التحتية التي تتطلب وقتا طويلا للتنفيذ وتواجه قيودا تتعلق بالقدرة الاستيعابية ونقص اليد العاملة وتراكم المشاريع ويوضح تالاڤيرا أن الفجوة الزمنية بين النيات السياسية والتنفيذ الفعلي قد تؤدي إلى خيبة أمل في الأسواق لا سيما عندما تسعر التوقعات أثرا سريعا للسياسة المالية واكتسب هذا الطرح أهمية إضافية في السياق البريطاني حيث يراقب المستثمرون ليس اتجاه السياسة المالية فحسب بل قدرتها الواقعية على دعم النمو في الأجل القصير وهو عامل أساسي في تقييم مسار الجنيه الإسترليني وثقة الأسواق به لا ينعكس تحسن الجنيه الإسترليني بالضرورة على حياة البريطانيين اليومية بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسواق فبحسب ما أوردته تحليلات نشرتها صحف بريطانية اقتصادية فإن قوة العملة قد تساعد نظريا في كبح كلفة الواردات ولا سيما الغذاء والطاقة إلا أن انتقال هذا الأثر إلى أسعار المستهلكين غالبا ما يكون محدودا ومتأخرا مقارنة بسرعة انعكاس أي تراجع في سعر الصرف على الأسعار