خالد فهمي إعادة كتابة عصر محمد علي باشا

20 مشاهدة

في صبيحة أحد الأيام، وقف فلاح مصري في إحدى قرى المنوفية يحدق في إصبعه المبتور. لم تكن الحادثة إصابة عمل، إنما فعل احتجاج يائس، إذ قطع الرجل سبابته بيده ليعجز عن الضغط على زناد البندقية، ظناً منه أن هذا التشويه الذاتي سيمنحه صك الغفران من الجهادية. لم يتوقع هذا الفلاح أنه سيجد نفسه بعدها وسط فريق كامل من أصحاب العاهات ضمن جماعة قتالية خاصة. هذا المشهد المجهري، الذي يفتتح به أستاذ التاريخ والباحث المصري خالد فهمي كتابه الأحدث ولي النعم.. محمد علي باشا وعالمه (دار الشروق/ ترجمة محمد هوجلا- كلفت، 2026)، ليمثل المدخل الحقيقي لفهم ماهية نهضة الدولة الحديثة التي عرفتها مصر في القرن التاسع عشر، وكيفية تشكيل الجسد ليصير ترساً في ماكينة لم يملك المصريون فيها حق الإدارة أو الحلم.

صناعة التاريخ الإقصائي

حين نعود إلى أطروحة ميشيل رولف ترويو في كتابه إسكات الماضي، ندرك أن التاريخ هو ما تقرره السلطة من حذف وإقصاء أو ترسيخ. ينحاز فهمي إلى تفكيك هذا التاريخ فالسردية التاريخية التي ورثناها في المدارس المصرية، والتي تتغنى بمشروع محمد علي، انخرطت في عملية إسكات كبرى لوقائع أقرتها وثائق ومراسلات مخفية كما وُئِد أنين الفلاحين تحت ضجيج المدافع، وطُمرت قصص عمال السخرة تحت أحجار القناطر الخيرية.

يتساءل المؤلف: لماذا ظل المؤرخون يسألون أين أخطأ محمد علي؟ ولم يسألوا ماذا فعل محمد علي بنا؟. إن تبني سؤال الخطأ يفترض مسبقاً وجود مشروع وطني أُجهض بفعل المؤامرة الخارجية، وهو ما يفنّده الكتاب عبر تبيان أن المشروع كان ناجحاً تماماً بمقاييس صاحبه. الإسكات هنا طاول الأجساد التي سقطت من الذاكرة الرسمية لتستقر في أرشيفات المحاكم العسكرية والمستشفيات، وهي الأرشيفات التي يعيد فهمي فتحها لينطقها من جديد، محولاً التاريخ من سيرة أبطال إلى سيرة محكومين.

الدولة بصفتها أثراً تنظيمياً

يتقاطع الكتاب بشكل عضوي مع أطروحات تيموثي ميتشل في استعمار مصر، الذي يرى أن الدولة الحديثة تتشكل عبر شبكات من الانضباط والمراقبة ولا تظهر فجأة بوصفها كياناً مادياً، كما فعل

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح