خاتمة ميهاو مارتشيك سؤال الفقد بين الوثائقي والروائي
59 مشاهدة
nbsp ما يلفت الانتباه في الوثائقي البولندي خاتمة لميهاو مارتشيك إضافة إلى موضوعه المثير والمشوق طريقته المميزة في مقاربة الأحداث والتفاصيل وسردها منذ اللقطات الأولى يلاحظ مدى جمالية تنفيذه وتركيبه وإخراجه بأسلوب مغاير كليا للمعتاد في الوثائقي ما يؤدي إلى تساؤل حتمي أنشاهد وثائقيا أم روائيا اللقطات المتقنة وزوايا التصوير المتنوعة لكاميرا لا تكتفي بالرصد والتسجيل وتوظيف الدرون بكثرة في لقطات علوية خلابة ولقطات أخرى بكاميرات خاصة احترافية تحت سطح الماء لخلق تناوبات بصرية بين لقطات جوية ومائية ورصد جماليات تناوب الفصول والاعتناء الشديد بالألوان وقبل كل شيء الأداء العميق والصادق والمؤثر للغاية للشخصية الأساسية وهو شخص حقيقي لا ممثل هذا كله من بين أمور عدة يثير تساؤلات عن انزياح الحدود بين الوثائقي والروائي فـخاتمة بوصفه رؤية فكرية وبصرية وتنفيذية وجمالية يتجاوز حدود الوثائقي الواقعي العادي المنطلق أصلا من حادثة حقيقية مؤلمة ليعيد بشدة إثارة القضية المطروحة بين حين وآخر عن الحدود بين الأنواع الفيلمية والتداخل بينها والإشكاليات الفنية والجمالية والأخلاقية المترتبة عن هذا التداخل بعيدا عن الاشتغال الإخراجي والطموح الفني المنطلق من قوة الموضوع يتقاطع خاتمة أيضا في مستويات عدة تلامس الشخصي الذاتي بعمق في اشتباكه مع العام والواقعي البحت في تداخله مع الغيبي والمتيافيزيقي والعلم والمنطق والتقنيات في مقابل الخرافة والعادات الفولكلورية والتهويمات هذه المستويات مدفوعة أساسا بحوافز غريزية كالأبوة وبسمات شخصية كالأمل والصبر والمثابرة والعناد وبتأملات وجودية تتساءل مثلا عن قيمة المال وأهميته في مقابل استعادة حيوات الراحلين هناك أيضا معنى الحياة وأهميتها وغرضها انطلاقا من رحلة بحث نهرية متكررة ومضنية يقوم بها دانيال بحثا عن ابنه المفقود كريس تنتهي المحاولة في بحث عن الحقيقة وقلب المجهول إلى يقين ووضع خاتمة لدائرة مفتوحة على أسئلة جحيمية ورغم حضور الأسئلة المعلقة عن الحادث الغامض يتميز خاتمة بالابتعاد كثيرا عن البنية الاستقصائية التحقيقية والغرق في ميلودراما كئيبة وابتزاز ضاغط للعواطف وتصدير للألم والحزن nbsp nbsp اللافت للانتباه في خاتمة أيضا الفائز بجائزة الاسكندر الذهبي ـ أفضل وثائقي بالدورة الـ28 5 ـ 15 مارس آذار 2026 لمهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية عدم السعي الحثيث إلى حل ألغاز أو تقديم إجابات عما إذا انتحر كريس في نهر الفيستولا من فوق الجسر إذ رصدته كاميرات المراقبة آخر مرة أم قرر ببساطة الاختفاء لماذا انتحر إن أقدم على هذا فعلا وأين جثته لماذا لم يعثر عليها بعد كل هذا البحث ما سر غيابه اختفائه إلى أين توجه لماذا لم يتواصل مع أب مكلوم وأم منهارة وأخ يعيش حزنا مكتوما على فقد مبهم علما أن الأسرة مترابطة وسوية وثرية جدا والجميع يؤكدون دفء العلاقات وحسن التربية وعدم وجود سجلات مرضية نفسية لأفرادها ما يجعل المواقف والتفاصيل المحزنة والمؤثرة تبدو ممتعة ومشوقة تركيز مارتشيك على ردات الفعل الإنسانية في رحلة البحث عوضا عن الإيغال والغرق في استعراض المأساة نفسها كما أن الغرض الأساسي لم يكن الوصول إلى حل نهائي أو خاتمة تغلق اللغز وتجيب عن الأسئلة بل الإمعان في ماهية عملية البحث ورصد أدق تفاصيلها تجلى هذا مثلا في عثور الأب وأصدقاء وأهل وجيران تطوعوا معه في فترات مختلفة على جثث في البحث والتنقب والحرث بالنهر عندها لا تتحول الكاميرا إلى أداة تحقيق وفضول وكشف وانتهاك بل تظل حذرة ومقتصدة وبعيدة ومحترمة للخصوصية بالتالي لا يعرف لمن هذه الجثث أو كيف وصلت إلى تلك البقع فوق سطح النهر أو في قاعه شخصية الأب لم تقدم بوصفها المحور والفاعل التقليدي الساعي إلى حل اللغز بل ذاتا تتعلم وتنضج وتكتسب خبرات ومهارات كلما أمعنت في عملية البحث على طول النهر تماما كما نراها تتآكل وتنهار تحت وطأة الانتظار وضغط الأسئلة والحقيقة العصية على بلوغها ومرور الوقت ثم تجدد الأمل المفضي إلى قلق ذهني ونفسي ووجودي من دون الوصول إلى شيء ما يقود في النهاية إلى اللايقين وانفتاح الفعل على احتمالات غير قابلة للحسم في رحلة بحث شاقة عن الحقيقة ربما يجد المرء نفسه إزاء مواقف وحالات يعجز عن تفسيرها وحسمها أو تجاوزها تستوقفه وتجمده إلى أن يدرك أخيرا أن أمامه التعايش معها والتيقن من أن الحياة أحيانا كثيرة ترغمنا على التعايش مع اللايقين بل تجعل في تقبله بعض عزاء وسلوى لكن المثير للانتباه في هذا الصدد أن خاتمة ليس تشاؤميا فالأمل غير مقطوع كليا بدليل تأكيد دانيال أنه رغم مرور عامين لم يوقف بحثه ومجريات البحث تتجدد باستمرار على الموقع الإلكتروني الخاص بكريس كما في ذكره الإحصائية الواردة في النهاية المؤكدة وفاة ـ انتحار ـ اختفاء نصف مليون شاب سنويا في أوروبا وأميركا نتيجة الوحدة والعزلة ونمط الحياة راهنا وإبراز انتقاد دانيال الأسلوب الحديث لعيشنا وطغيان التكنولوجيا وحياة الوحدة والغربة والانفصال عن الأهل والمجتمع والطبيعة هذا كله أكسب خاتمة بعدا اجتماعيا وتوعويا إضافة إلى كونه صرخة استيقاظ وتحفيز وأمل