خاتمة ميهاو مارتشيك سؤال الفقد بين الوثائقي والروائي
ما يلفت الانتباه في الوثائقي البولندي خاتمة، لميهاو مارتشيك، إضافة إلى موضوعه المثير والمشوّق، طريقته المميزة في مقاربة الأحداث والتفاصيل وسردها. منذ اللقطات الأولى، يُلاحَظ مدى جمالية تنفيذه وتركيبه وإخراجه، بأسلوب مغاير كلياً للمعتاد في الوثائقي، ما يؤدي إلى تساؤل حتمي: أنُشاهد وثائقياً أم روائياً؟
اللقطات المتقنة، وزوايا التصوير المتنوعة لكاميرا لا تكتفي بالرصد والتسجيل، وتوظيف الدرون بكثرة في لقطات علوية خلاّبة، ولقطات أخرى بكاميرات خاصة احترافية تحت سطح الماء، لخلق تناوبات بصرية بين لقطات جوية ومائية، ورصد جماليات تناوب الفصول، والاعتناء الشديد بالألوان، وقبل كل شيء الأداء العميق والصادق والمؤثر للغاية للشخصية الأساسية، وهو شخص حقيقي لا ممثل؛ هذا كلّه، من بين أمور عدّة، يُثير تساؤلات عن انزياح الحدود بين الوثائقي والروائي. فـخاتمة، بوصفه رؤية فكرية وبصرية وتنفيذية وجمالية، يتجاوز حدود الوثائقي الواقعي العادي، المنطلق أصلاً من حادثة حقيقية مؤلمة، ليُعيد بشدة إثارة القضية المطروحة، بين حين وآخر، عن الحدود بين الأنواع الفيلمية، والتداخل بينها، والإشكاليات الفنية والجمالية والأخلاقية المترتّبة عن هذا التداخل.
بعيداً عن الاشتغال الإخراجي، والطموح الفني المنطلق من قوة الموضوع، يتقاطع خاتمة أيضاً في مستويات عدّة، تلامس الشخصي/الذاتي بعمق في اشتباكه مع العام، والواقعي البحت في تداخله مع الغيبي والمتيافيزيقي، والعلم والمنطق والتقنيات في مقابل الخرافة والعادات الفولكلورية والتهويمات. هذه المستويات مدفوعة أساساً بحوافز غريزية كالأبوة، وبسمات شخصية كالأمل والصبر والمثابرة والعناد، وبتأملات وجودية تتساءل مثلاً عن قيمة المال وأهميته في مقابل استعادة حيوات الراحلين. هناك أيضاً معنى الحياة وأهميتها وغرضها.
انطلاقاً من رحلة بحث نهرية، متكرّرة ومضنية، يقوم بها دانيال بحثاً عن ابنه المفقود كريس، تنتهي المحاولة في بحث عن الحقيقة، وقلب المجهول إلى يقين، ووضع خاتمة لدائرة مفتوحة على أسئلة جحيمية. ورغم حضور الأسئلة المعلّقة عن الحادث الغامض، يتميّز خاتمة بالابتعاد كثيراً عن البنية الاستقصائية التحقيقية، والغرق في ميلودراما كئيبة، وابتزاز ضاغط للعواطف، وتصدير للألم والحزن.
/> سينما ودراما التحديثات الحيةفيلمان في البرليناله الـ76: في أنّ الوثائقي ضد النسيان
اللافت للانتباه
ارسال الخبر الى: