حكاية أم تونسية مع برنامج سمع السعودية

كنت أظن أن قلبي قد اعتاد الصمت! أنني أصبحت جزءًا من هذا الفراغ الكبير، الذي لا يُسمع فيه شيء، ولا يُقال فيه شيء، ولا يُنتظر منه شيء!
عشر سنوات، وربما أكثر، وأنا أراقب طفلي ينمو بجسدٍ لا يسمع العالم، وعينين تفتش عن تفسير لحركة الشفاه حوله!
كان كل صباح يحمل لي وجعًا جديدًا..
كل صباح كنت أجلس أمامه، أحرك شفتي بكلمتي «صباح الخير»، وهو يبتسم دون أن يعرف أن للحب صوتًا، وأن للاحتواء موسيقى لا يسمعها إلا من كان له قلب وأذنان..
كنت أبتسم له وأنا أموت من الداخل، أغني له وأنا أعرف أنه لن يسمع اللحن، أحكي له القصص بصوتٍ هامس، لا لأجله... بل لأجلي، حتى لا أنسى أنني أم، وأنه مهما صمت الكون، فإن صوتي له حق أن يوجد..
ثم جاء ذلك اليوم..
يوم أخبروني أن هناك أملًا، وأن برنامج سمع السعودية سيحمل لنا معجزة صغيرة.
ضحكت لا سعادةً... بل مرارة، كيف يمكن لسنوات الصمت أن تُغسل بجهاز صغير يُزرع في رأس طفلٍ هش؟!
ومع ذلك، تمسكت بالوهم.. جرجرت قلبي المثقل إلى المستشفى، وخبأت كل دموعي في أطراف عيني؛ كي لا يراها أحد..
حين دخل إلى غرفة العمليات، شعرت أنني أودع قطعة مني لا أعرف إن كانت ستعود
صلّيت... ليس لأنني مؤمنة أن المعجزات سهلة، بل لأنني كنت بحاجة لشيء أتشبث به وسط انهيار العالم من حولي..
مرت الساعات ثقيلة.. ثقيلة كعمرٍ بأكمله!
كل دقيقة كانت تمزقني، وكل ثانية كانت تدفعني إلى هوة خوف لا قاع لها..
وحين خرج...
حين استيقظ، وحين دسّوا الجهاز الصغير خلف أذنه، نظر إليَّ نظرةً لم أرها من قبل
نظرة اندهش فيها العالم كله أمام عينيه.
ثم تحرك فمه الصغير...
ونطق، بصوت خافت، مشوش، مرتعش: «ماما»..
أخبار ذات صلة تركي آل الشيخ.. غيّر نغمة المشهددندنة ليلة.. وصيتا أبو محمد وأم الفضل.. فرحة عبير وفرح لارالم أحتمل، سقطت على الأرض باكية..
انفجرت من داخلي زغرودة مكسورة.. زغرودة مخنوقة بألف ليلةٍ.. بكيتُ فيها
ارسال الخبر الى: