حزب الله والعودة إلى نموذج المقاومة الأول
23 مشاهدة
| العميد محمد الحسيني
يكشف تطور نمط الضربات الجوية التي ينفذها العدو الإسرائيلي في لبنان عن مأزق استخباراتي متزايد في التعامل مع البنية العسكرية لـحزب الله. ففي المراحل الأولى من التصعيد ركزت الاعتداءات الإسرائيلية على ما وصفته باستهداف قادة ميدانيين وكوادر قيادية في الحزب، في محاولة لضرب الهيكل التنظيمي وإرباك منظومة القيادة والسيطرة على غرار الحرب الأخيرة. غير أن تكرار الغارات من دون تحقيق أثر استراتيجي حاسم يوحي بأن بنك الأهداف المرتبط بالبنية القيادية للحزب أصبح أكثر ضيقًا وصعوبة في الاختراق، وأن قدرة الاستخبارات الإسرائيلية على إنتاج أهداف دقيقة لم تعد كما كانت تتصور.
ويعكس هذا الواقع التحول العميق الذي طرأ على بنية المقاومة بعد حرب 2024، حيث تخلت عن النموذج التنظيمي التقليدي الذي راكمته سنوات الحرب السورية. حينها اكتسب الحزب طابع قوة شبه عسكرية نظامية تعتمد على تشكيلات أكبر وانتشار أكثر وضوحًا نتيجة طبيعة العمليات العسكرية في تلك الحرب. إلا أن في عودته الثانية اليوم إلى ساحة الجنوب، ومن بعد الدروس المستقاة من حرب أيلول 2024، استعاد انطلاقته الأولى كمقاومة، لا كحزب أنهكته التدخلات في الحروب الإقليمية وانخراطه في الصراعات السياسية الداخلية، فبنى استراتيجيته القديمة الجديدة على قوة قتالية أقل قابلية للرصد المباشر، وأكثر قدرة ومرونة على المناورة والتكيف.
من خلال هذا النموذج لم تعد القوة العسكرية مرتبطة بوجود قواعد أو تشكيلات شبه ظاهرة يمكن استهدافها بسهولة، بل ببنية عمل شبكية تعتمد على خلايا صغيرة مرنة تعمل بدرجة عالية من الاستقلالية. فكل خلية قادرة على أداء دورها العملياتي دون الحاجة إلى اتصال دائم بقيادة مركزية مكشوفة، وهو ما يقلل من فرص الاختراق الاستخباراتي ويجعل اكتشاف الوجود العسكري أكثر تعقيدًا.
وفي بيئة مثل جنوب لبنان، حيث تتداخل القرى والبنية الاجتماعية مع المجال الجغرافي، تتحول البيئة المحلية نفسها إلى عنصر من عناصر الحماية والدعم. فالمجتمع الذي عاش عقودًا من الصراع مع إسرائيل اكتسب خبرة عميقة في التعامل مع الواقع الأمني والعسكري، وبات يشكل جزءًا من منظومة الإنذار المبكر التي تسمح للمقاومة
ارسال الخبر الى: