بين حرافيش محفوظ وملك أفلاطون
عدتُ إلى نجيب محفوظ بعد عقودٍ من الفراق، لأطالع ملحمة الحرافيش بعينٍ جديدة، تختلف تماماً عن عين ذلك المُراهق الذي تلمّس صفحاتها قبل أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود. في ذلك الزمن البعيد، كانت الرواية تبدو لي حكايةً مُشوّقة عن الفتوات، وصراع النبالة والضَّعة، ومعارك النبوت (العصا الغليظة) في حارات القاهرة المَنسية. أما اليوم، وأنا أقرؤها عبر غبار السنين وخيبات السياسة ومسارات الفكر، لم أرَ حارةً مغلوبةً على أمرها، بل رأيتُ مسرحاً كبيراً للبشرية جمعاء، وكأنّ محفوظ لم يكن يكتب تاريخ آل الناجي، بقدر ما كان يخطُّ الشفرة الوراثية لصراع السلطة والعدالة ومعضلة الوجود.
في هذه القراءة التي لربّما كانت أكثر نضجًا، كشفت لي الملحمة عن ثالوث فلسفي شديد الإحكام؛ ثالوث يتأسّس على ثلاثة أسئلة مُتداخلة: سؤال السلطة، وسؤال التاريخ، وسؤال الإنسان. إذ تنطلق الرواية من جدلية القوّة والعدل عبر شخصية عاشور الناجي الأوّل، لتطرح السؤال الأزلي: هل يمكن للسلطة المُطلقة أن تحافظ على طهرها الأخلاقي من دون أن يفسدها بريق الكرسي؟ لتأتي الإجابة عبر الأجيال المُتعاقبة التي انحدرت نحو الطغيان والشهوات. هنا، يبدو محفوظ في بادئ الأمر مُستسلماً لـرؤية خلدونية حتمية؛ حيث التاريخ دورة مُغلقة تتأرجح بانتظام بين مصلحٍ نبيل يفرزه الظلام، ونخبٍ مُستبدة تُعيد الحارة إلى قاع العصبية والفساد، في متوالية صعود وهبوط لا فكاك منها. لكن عبقرية محفوظ تكمن في أنّه لم يقف عند حدود هذه الدائرية اليائسة؛ بل وضع مفتاح كسرها في مكان آخر تماماً. إنّه يخرج من العباءة الخلدونية ليقترب من الوعي الجدلي للتاريخ، حيث لا تعود الدائرة قدراً سرمداً، بل جداراً يمكن هدمه إذا ما تحوّل الحرافيش من مفعولٍ بهم إلى صنّاعٍ حقيقيين لمصيرهم. فالغيب المُتمثّل في أناشيد التكية الغامضة يظلّ قابعاً خلف الأسوار لا يُغيّر الواقع مباشرة، ولن يكسر جمود هذه الحلقة المفرغة إلا الخلاص بالوعي الذاتي والتنظيم الجماعي؛ حين يتوقّف الحرافيش عن الانتظار السلبي، ويتخلّصون من وهم المخلّص الفرد، ويُباشرون تدوير عجلة التاريخ بأيديهم.
هل يمكن للسلطة المُطلقة أن تحافظ على طهرها
ارسال الخبر الى: