في زمن تتحول فيه الثقافة إلى أولى ضحايا الحرب في السودان يستعيد مشروع حديقة الكلمات دور السرد في تشكيل الهوية الجمعية الموقع الإلكتروني الذي أطلقه الكاتب أيمن هاشم مطلع العام الجاري يتعامل مع القصة القصيرة السودانية بوصفها وسيلة لتوثيق اللحظة التاريخية وإعادة تخيل المستقبل يمثل المشروع استمرارية لمبادرات عديدة ظهرت في السنوات الماضية مثل مؤسسة جيل جديد تلك المجموعة الشبابية التي تأسست عام 2007 ونظمت العديد من ورش ومسابقة الكتابة التي قدمت أصواتا جديدة للمشهد القصصي في البلاد وكان لها دورها خلال الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في ديسمبر كانون الأول 2018 مبادرات خارج المؤسسة التقليدية العديد من كتاب الموقع الجديد بمن فيهم مؤسسه كان لهم مشاركات في تلك الفترة التي شهدت ازدهارا قصصيا ملحوظا ومثلما شكلت جوائز الطيب صالح للقصة القصيرة آنذاك إحدى الآليات التي ساعدت في اكتشاف المواهب الجديدة تسعى حديقة الكلمات إلى ترسيخ آليات جديدة بعيدا عن المؤسسات التقليدية التي أصبحت عاجزة عن مواكبة التحولات يجمع المشروع بين توثيق الحكايات الشعبية والأمثال القديمة إلى جانب النصوص القصصية بأحدث وسائل النشر الرقمي وهذا المزج ليس تقنيا فحسب بل يتجلى في المضمون نفسه حيث تتعايش النصوص التي تستلهم الموروث مع أخرى تعبر عن هموم الجيل الحالي وهنا تثبت القصة القصيرة مرونتها وقدرتها على التكيف مع مختلف الظروف وهو ما يذكر بستينيات القرن الماضي عندما استوعبت القصة تأثيرات الحداثة في السودان من دون أن تنفصل عن الواقع المحلي يمثل المشروع استمرارية لمبادرات عديدة ظهرت في السنوات الماضية لا يواجه حديقة الكلمات تحديات تتعلق بالجانب التقني أو حتى بنقص المواد الإبداعية بل بكيفية الحفاظ على استمرارية المشروع في بيئة تتسم بعدم الاستقرار فتاريخ الصحافة والمجلات الأدبية يشير إلى توقف العديد منها بسبب ظروف مادية أو سياسية ومنها صحيفة القصة السودانية التي تأسست عام 2009 ولم تستمر طويلا رغم الأثر الكبير الذي تركته هل يمكن للرقمنة أن توفر حلا لمشكلة الاستدامة هذه الإجابة ليست بسيطة فالمشاريع الإلكترونية تواجه تحدياتها الخاصة بدءا من مشكلة التمويل ووصولا إلى صعوبة الوصول في مناطق تنقطع فيها الإنترنت بشكل متكرر لكنه يمثل حلقة في سلسلة طويلة من محاولات إبقاء الثقافة السودانية حية رغم كل الظروف تاريخ ومحطات هذا التوجه ليس جديدا على الأدب السوداني فمنذ خمسينيات القرن الماضي مع صدور أولى المجموعات القصصية مثل غادة القرية 1954 لعثمان علي نور كانت الكتابة السردية دوما مرتبطة بسياقها الاجتماعي والسياسي ضمن منعطفات أساسية منها إنشاء مجلتي النهضة والفجر في الثلاثينيات ومساهمتها في دعم الحركة الأدبية الناشئة من خلال نشر نصوص العديد من الأدباء الذين أصبحت لهم مساهماتهم في العقدين اللاحقين ثم ظهرت في يناير كانون الأول 1960 مجلة القصة التي ركزت على الفن القصصي من خلال فتح الباب لمشاركة كتاب مكرسين وآخرين جدد في نشر نصوصهم وكذلك المتابعة النقدية لها ورغم أن المجلة توقفت بعد عام ونصف العام لأسباب مالية بعد إصدار 17 عددا فقط غير أنها تركت أثرا واضحا في حداثة القصة القصيرة مع اختلاف الواقع بين حقبتين يتشابه حضور حديقة الكلمات باعتباره فضاء يجمع ما تفرق ويمكن للقصة القصيرة أن تعبر خطوط القتال وتصل إلى قراء لم يعودوا قادرين على الوصول إلى المكتبات أو المراكز الثقافية التجربة تذكر بجريدة الصراحة في الخمسينيات التي ساهمت في نشر الأعمال القصصية في سياق مقاومة الاستعمار في وقت كانت فيه وسائل النشر محدودة بينما تقارب القصة السودانية مآزق أكبر تتعلق بالانقسام وإعادة بناء الدولة والمجتمع