حافة الشريف

في صيف أغسطس من عام 1978، كانت عدن تبدو كمدينةٍ غارقة في غبارها. تهب الرياح من البحر محمّلة برطوبة مالحة، ثم لا تلبث أن تختلط بأنفاس الصحراء، فتدور في الأزقة والشوارع كأنها تبحث عن شيء ضائع. كانت الشمس تلمع فوق أسطح كريتر، وتنعكس على زجاج واجهات المحال، فيما تتدلى البضائع أمام الدكاكين في حافة الشريف ومعظمها كانت لبيع الذب ومختلف المصوغات، وتختلط روائح الفواكه واللحوم والتوابل برائحة البحر القديمة.
كنت أسكن في نهاية شارع المعري، لكنني في ذلك الصيف وجدت لنفسي مكانًا آخر أسكنه كل صباح: حافة أو القاضي، وتحديدا الجزء الذي يسمونه حافة الشريف.
لم أكن أذهب إليها لشراء شيء. كنت أذهب لأنتظر رجلا أعجبت به.
في العاشرة تقريبًا من كل صباح، كنت أقف بجوار مقهى الأصدقاء، أمام ماركت عدن، وأراقب الشارع من بعيد. أحيانًا أختار ركن زقاق الشريف، بجوار محل (دنيا الأناقة) الذي أصبح اليوم (مكتب بن معدان للسفريات)، وأحيانًا أقف أمام محلات (العروسة) للمجوهرات، متظاهرة بأنني أتأمل واجهاتها. كنت أعرف أنني أخدع الآخرين، لكنني لم أكن أخدع نفسي.
كنت أنتظر حمزة جبران.
كان حمزة يعمل مذيعًا، وكان لصوته حضورٌ يتجاوز حدود المذياع. حين كان يقرأ الأخبار، كان لصوته ذلك الإيقاع الذي يجعل الجملة العادية تبدو كأنها تحمل خبرًا من عالم آخر. أما حين يمشي في الشارع، فكان يتبختر بطريقة يعرفها الذين يراقبونه، وكأنه خرج لتوه من شاشة الراديو إلى شوارع كريتر.
ولذلك كنت أنتظر ظهوره.
أحيانًا كنت أراه من بعيد، فأشعر أن قلبي سبق خطواته.
كان يمر من هناك، وأنا أتابعه بعيني حتى يختفي عند المنعطف.
ولم يكن الأمر سرًا كما كنت أتصور.
فقد بدأ أصحاب المحلات والعاملون فيها يلاحظون وقوفي المتكرر. وكان بعض المارة يبتسمون، وبعضهم يرمقني بنظراتٍ تعرف أكثر مما أقول. بل إن أحدهم صار، كلما رآني، يقلد طريقة حمزة في تقديم نشرة الأخبار، فيرفع صوته ويقول بنبرة رسمية:
(والآن... إلى تفاصيل الأخبار...)، فتتعالى الضحكات من حولي. كنت أغضب، ثم أضحك رغماً عني.
كانت تلك
ارسال الخبر الى: