جون هيغز القرن العشرون من الفردانية إلى الديكتاتورية
47 مشاهدة
في مستهل القرن العشرين كان العالم يبدو مثل ساعة سويسرية فاخرة عقاربها منضبطة وتروسها تتحرك وفق قوانين نيوتن الصارمة واليقين يغلف كل شيء إذ شعر الإنسان أنه سيد الكون وقد فك شفراته أخيرا لكن سرعان ما انفجر كل هذا الهدوء يرسم الكاتب الإنكليزي جون هيغز في كتابه أغرب من آفاق تصورنا محاولة لفهم القرن العشرين دار بيت الكتب 2026 ترجمة عبد الله يحيى بورتريها لمئة سنة عاصفة بدأت بهدوء مخادع في مكتب براءات اختراع صغير حيث أعاد شاب يدعى أينشتاين صياغة مفهومنا عن الزمن إذ لم تكن النسبية معادلات في الفيزياء المتخصصة بل لحظة أدرك فيها البشر أن الحقيقة ليست واحدة وأن حدود المكان وموقع الإنسان بوصفه راصدا قد يغير وجه العالم الذي نراه في تلك اللحظة بالذات مزق بيكاسو اللوحات ليعيد لصقها في تشويه مذهل ومبتكر في آن وهكذا لم تعد العين ترى الأشياء كما هي بل كما تشعر بها من زوايا متعددة فهل انكسرت المرآة الثابتة التي كنا نرى فيها العالم بوضوح منذ ذلك الحين أم نحاول تجميع الشظايا المبعثرة دون جدوى ربما لم يعلم أينشتاين أنه بحديثه عن انحناء الضوء سيمهد الطريق لجاك ديريدا ليفكك اللغة ويخبرنا أن الكلمات لا تملك معنى ثابتا وأنها ظلال تطارد بعضها بصرف النظر عن نتائجها nbsp ظلال الطغاة ووحشة الفرد ينتقل هيغز إلى زاوية مظلمة ومرعبة حين يتبع خيطا زمنيا تحولت فيه حرية الفرد إلى زنزانة كبرى ففي القرن العشرين تخلص الإنسان من قيود القبيلة والكنيسة وتقاليدهما ليقف وحيدا تحت شمس الحرية الحارقة لكن الأنا المتضخمة لهذا الشعور الفردي الانعزالي حين لم تجد ما تستند إليه أصيبت بالدوار وهنا يسعى الكتاب إلى تفكيك لغز مهم يجيب على سؤال كيف ولدت الديكتاتوريات من رحم الفردانية يحلل هيغز كيف ولدت الديكتاتوريات من الفراغ فغياب الأباطرة تركنا مع حزمة من وجهات النظر المتناحرة مما جعل الفردانية الأصولية التي روج لها بعض المفكرين سكينا ذات حدين إذ يقول كان من الأيسر جعل ذاتك الفردية محور نظرتك للعالم افترضوا أن الفرد كان عضوا عقلانيا مكتفيا ذاتيا متسلحا بإرادة حرة واتضح أن التعريف الحقيقي كان أكثر فوضوية بكثير استثمر الطغاة هذه الفوضى وتحالفت وسائط التكنولوجيا الحديثة لتجعل من الإبادة الجماعية صناعة عملية وهنا يذكرنا هيغز بأن هتلر احتفظ بصورة لهنري فورد رائد الإنتاج الضخم في مكتبه مطبقا سياسة خط التجميع على القتل الجماعي ومتبنيا برود ستالين في مقولته الشهيرة موت رجل واحد مأساة أما موت آلاف ليس إلا إحصائيات تشرح سطور متتالية من الكتاب خطورة أن تصبح إرادة الفرد هي المرجع الوحيد إذ تتصادم ملايين الإرادات بلا رادع وحينها يظهر الديكتاتور بوصفه الأنا الكبرى أو أنا أشد تفوقا فتبتلع الجميع إن هتلر وستالين لم يكونا مجرد حوادث سياسية لقد ترعرعا شبحين خرجا من فراغ الروح الذي تركه انهيار الجماعة لقد صرنا أحرارا جدا لدرجة أننا لم نعد نعرف ماذا نفعل بهذه الحرية فبعناها لأول من وعدنا بالأمان يتساءل الكتاب كيف ولدت الديكتاتوريات من رحم الفردانية صرخة وقطة لا تموت بينما كان العلم يفكك المادة كان فرويد ينبش في الطابق السفلي للنفس البشرية أخبرنا أننا لسنا أسيادا في بيوتنا وأن تحت قشرة التحضر التي نرتديها يقبع الهو ذاك الوحش الغريزي الذي يحركنا من وراء ستار كما توازت هذه الصدمة المعرفية النفسية مع صدمة ثورة علم ميكانيكا الكم التي أعادت هيكلة المشترك الثقافي والمعرفي لكنها جرت العقول إلى حيرة لا تستطيع استيعاب فرضية أن الجسيمات يمكن أن تكون في مكانين في وقت واحد وأن قطة شرودنغر قد تكون حية وميتة معا حتى نفتح الصندوق هذا الغياب لليقين أفرز في تجلياته الفنية مسرح العبث حيث وقف أبطال بيكيت ينتظرون غودو الذي لن يأتي أبدا وهكذا أصبح العالم مكانا لا يمكن التنبؤ به تماما كأحلامنا التي فضحها فرويد الهروب إلى النجوم في منتصف القرن حين ضاقت الأرض بصراعاتها قرر الإنسان أن يهرب إلى الفضاء لم يكن غزو القمر مجرد سباق تكنولوجي بل هجرة روحية بحثا عن معنى جديد في صمت النجوم لكن المفارقة الكبرى التي يرصدها هيغز هي أننا كلما ابتعدنا في الفضاء اكتشفنا مدى ضآلتنا ووحدتنا وفي السينما تجلت الفردانية في شخصية الرجل مجهول الهوية الذي جسده كلينت إيستوود حيث كانت عزلته حجر أساس جاذبيته إلا أن نهاية القرن شهدت تحولا معقدا نحو الشبكات nbsp جاءت الثورة الكبرى مثل مراهق متمرد يرفض عالم الكبار ليخلق ثقافة استهلاكية عالمية أذابت الحدود ولم نعد نكتفي بقصص البطل الواحد فانتقلنا إلى عوالم مارفل والمسلسلات الكبرى حيث يقول هيغز المجموع أهم من مكوناته الفردية ثم تحولنا من صخب الروك آند رول والتمرد الجنسي لنصل إلى محطتنا الأخيرة من عالم الشبكات تفتتت السلطة وذاب الفرد في تيار الإنترنت الجارف ولم نعد أشخاصا بالمعنى التقليدي إنما صرنا عقدا في شبكة لا تنتهي والشاشة التي ننظر إليها الآن هي المرآة الجديدة مرآة تعكس بياناتنا ومخاوفنا ورغباتنا التي تبرمجها الخوارزميات nbsp ناقدة ومترجمة مصرية