في فضاء السياسة الدولية يشكل الكذب أداة استراتيجية متكررة وموضوعا حيويا لدراسة آليات السلطة والدبلوماسية هذا ما يستعرضه أستاذ العلوم السياسية والباحث الأميركي جون ميرشايمر في كتابه لماذا يكذب السياسيون المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سلسلة ترجمان 2025 مقدما قراءة دقيقة لواحدة من أكثر الظواهر تأثيرا في العلاقات بين الدول مع التركيز على النماذج الواقعية التي تكشف المنطق الاستراتيجي وراء الأكاذيب لا مجرد الطابع الأخلاقي أو الشخصي لها الكتاب الذي نقله إلى العربية غانم النجار يشير إلى أن النظام الدولي بطبيعته فوضوي إذ لا توجد سلطة عليا تفرض القواعد أو تضمن الأمن بين الدول ما يجعل البقاء هدفا أساسيا لكل دولة في هذا السياق يرى ميرشايمر أن الكذب لا يعد سلوكا منحرفا أخلاقيا وإنما هو خيار عقلاني تمليه ضرورات المصلحة الوطنية ومقتضيات الصراع على النفوذ nbsp من هنا يبدأ المؤلف بتحليل ماهية الكذب السياسي وتمييزه عن غيره من أشكال الخداع فالكذب المباشر يعني إدلاء القائد بمعلومة يعلم زيفها بينما يشمل الخداع الأوسع الإخفاء أو التجميل أو الانتقائية في عرض الحقائق هذا التمييز يعد أساسيا لفهم استراتيجيات الدول في تبرير أفعالها داخليا وخارجيا القادة يكذبون على شعوبهم أكثر مما يكذبون على خصومهم الخارجيين يقسم ميرشايمر الأكاذيب الدولية إلى فئات رئيسة تشمل الكذب بين الدول وإثارة الذعر والتغطيات الاستراتيجية والأساطير القومية والأكاذيب الليبرالية موضحا أن القادة يكذبون على شعوبهم أكثر مما يكذبون على خصومهم الخارجيين لأن الجمهور أقل قدرة على التحقق من الوقائع وأكثر استعدادا لتصديق الخطاب الوطني ويستدل على ذلك بنماذج تاريخية عديدة من بينها غزو العراق سنة 2003 الذي مثل ذروة في استخدام الكذب لتبرير الحرب عبر ادعاءات امتلاك أسلحة دمار شامل وكذلك خطاب الحرب الباردة الذي بالغ في تصوير التهديد السوفييتي لتبرير سباق التسلح وتوسيع النفوذ الأميركي ويبرز المؤلف كيف تستخدم الأكاذيب أحيانا لإخفاء الإخفاقات أو إضفاء طابع بطولي على الأداء السياسي والعسكري كذلك يخصص فصولا لتحليل ظاهرة إثارة الذعر بوصفها أداة سياسية تستخدم لتعبئة الرأي العام وتبرير السياسات الاستثنائية فيستشهد بخطابات الإدارة الأميركية بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول 2001 التي غذت المخاوف من الإرهاب لتوسيع صلاحيات الأمن القومي والتدخل العسكري الخارجي أما الأساطير القومية فيراها المؤلف جزءا من بنية الدولة الحديثة إذ تنتج روايات تمجد الذات وتخفي أخطاء الماضي أو إخفاقات الحاضر هذه الأكاذيب وإن بدت موحدة للصف الداخلي فإنها تحمل مخاطر على المدى البعيد لأنها تبني ذاكرة جمعية زائفة تضعف صدقية الخطاب السياسي نفسه في المقابل تنبه مقدمة المترجم لعام 2025 إلى تحولات نوعية في طبيعة الكذب السياسي وأدواته متتبعة ثلاث مراحل رئيسة الأولى تمثلت في الأكاذيب التقليدية والدعاية الخطابية المبرمجة والثانية ارتبطت بانتقال الكذب إلى فضاء الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي حيث تحول التحريض الرقمي إلى أداة لصناعة الرأي العام كذلك كشفت فضائح كمبريدج أناليتيكا وحركة كيو أنون عن قدرة الحملات الموجهة على بث الأكاذيب والتأثير في نتائج الانتخابات أما المرحلة الثالثة الراهنة فهي مرحلة الذكاء الاصطناعي التي باتت فيها الأكاذيب تنتج وتمرر بخوارزميات معقدة تجعل من التلاعب بالمعلومات أمرا بالغ الدقة والفاعلية كما يتضح في الحملات السياسية المرتبطة بالرئاسة الأميركية وخطابات دونالد ترامب بعد تنصيبه الثاني في يناير كانون الثاني 2025 وفي قضايا مثل جائحة كوفيد 19 والنقاشات حول الإجهاض ويرى النجار أن هذا التحول يمثل اللباس الإلكتروني للكذب حيث يتقاطع النفوذ السياسي مع احتكار المنصات الكبرى للمعلومة فتتحول الحقيقة ذاتها إلى مجال للمنافسة السياسية ويظهر ميرشايمر من جانبه أن الكذب ليس حكرا على الأنظمة السلطوية بل تمارسه الديمقراطيات أيضا عندما ترى في ذلك حماية لمصالحها الحيوية أو مكانتها الاستراتيجية غير أن الثمن الباهظ يظهر عندما يكتشف الكذب إذ تتآكل الثقة العامة وتضعف الرقابة المدنية وتنهار صدقية الخطاب السياسي