جوزيف بلوتنر من كوخ العم توم إلى 1984
هل تستطيع الرواية أن تخدم قضية سياسية دون أن تخسر فنّها؟ يبدو السؤال بسيطاً حتى نقرأ كيف يعالجه الناقد الأميركي جوزيف بلوتنر في كتابه الرواية السياسية (ترجمة: ماهر حرامي، فضاءات للنشر والتوزيع، عمّان، 2026). فهو يضع أمام القارئ عملين متناقضين: كوخ العم توم لهارييت بيتشر ستو، رواية مترهلة البناء مسرفة في العاطفة، لكنها أسهمت في تهيئة المناخ الذي انتهى بالحرب الأهلية الأميركية، والشياطين لدوستويفسكي، عمل خالد فنياً كتَبه صاحبه سلاحاً ضد الفكر الثوري، فلم يبلغ مراده. ومن هذه المفارقة ينطلق بلوتنر ليقول إن العلاقة بين الفن والسياسة ليست علاقة تنافٍ، وإن كان الكاتب الفرنسي ستندال قد رأى، منذ القرن التاسع عشر، في حضور السياسة داخل الأدب ضجيجاً لا يمكن تجاهله.
أول ما يفعله بلوتنر (1923- 2012) أنه يحدّد موضوعه. الرواية السياسية عنده هي التي تصف الظاهرة السياسية أو تفسّرها أو تحلّلها مباشرة، بحيث يكون الفعل السياسي مادتها الأولى: تشريع وحملات انتخابية ونشاط حزبي وثورة. لذلك يستبعد الروايات الرمزية الخالصة، ويستبعد روايات البؤس الاجتماعي ما لم يتحرك أبطالها في فضاء سياسي، فيصنّف الأدغال لسنكلير، وعناقيد الغضب لشتاينبك ضمن الأدب الاجتماعي، بينما يُدخل روايته في معركة مشكوك فيها لأنها تصوّر إضراباً يُدار لخدمة حزب. وتقوم دراسته على إحدى وثمانين رواية، أكثر من نصفها أميركي ثم إنكليزي، مع أعمال روسية وفرنسية وإيطالية وألمانية وجنوب أفريقية.
ثم يقارن بين الروائي وعالم السياسة. الثاني يسعى إلى الموضوعية والإحصاء والتعميم، والأول ذاتي في الغالب، وإذا كان عمله أداةً سياسية، فإن الإنصاف المفرط للخصم يُضعف أثره. لكنه يملك ما لا يملكه الباحث، إذ يستعين بالوثيقة ثم يضيف إليها الأبطال والأشرار، ويتخيل المستقبل كما فعل أورويل وهكسلي، ويجسّد المشكلة في إنسان يتألم أمام القارئ.
روايات مؤثرة رغم ضعفها الفني، وأخرى قوية لكنها أخفقت سياسياً
ويرتّب بقية الكتاب بحسب قرب الرواية من السياسة. تبدأ أداةً سياسية، وأوضح أمثلتها كوخ العم توم، ويلحق بها العقب الحديدية لجاك لندن، وظلام في الظهيرة لآرثر كوستلر، و1984 لأورويل.
ارسال الخبر الى: