يصل المخرج المسرحي العراقي جواد الأسدي إلى بيروت الملاذ كما يصفها محملا بتاريخ طويل من التجارب والأسئلة التي رافقت مسيرته على الخشبة حضوره هنا عبر حوارية نظمتها أول من أمس الخميس مجموعة أمسيات بيروت الثقافية بفضاء بياتي وجمعت فنانين وباحثين ومهتمين ليس مجرد زيارة عابرة بل مناسبة لإعادة النظر في موقع المسرح العربي ودوره في زمن الإبادة قدم الأسدي كربلاء 1947 قراءة في مشواره الإبداعي ورهاناته الجمالية متوقفا عند العلاقة الحساسة بين الخشبة والإنسان وبين الفن والجرح المفتوح من غزة إلى جنوب لبنان والعراق في بداية حديثه الذي حاورته فيه الإعلامية لوركا سبيتي استعاد صاحب حمام بغدادي 2014 طفولته الكربلائية التي وضعته في صميم الطقس العاشورائي بأبعاده المسرحية معتبرا أن الوجع هو ما صنع وعيه الفني مشبها حضور أمه التراجيدي بـالأم كوراج التي كتبها بريخت امرأة عراقية احتملت أوجاع فقد زوجها وإعدام ابنها عبد الله وهو في الخامسة والعشرين من عمره بعدها انتقل للحديث عن تجربة مسرح بابل الذي أسسه في بيروت عام 2007 بالاشتراك مع مسرحيين لبنانيين من بينهم كارول عبود التي قدمت بدورها شهادتها على تلك المرحلة قبل أن يغلق بابل أبوابه عام 2016 بعد أن قدم عروضا بارزة في المشهد مثل الخادمتان 2010 وحبيبتي رجعي عالتخت 2012 لـ لينا أبيض وعنبرة 2015 لعلية الخالدي يرى أن الحزن ضرورة عضوية في تاريخ الأفراد وخلق الفنون بين بابل المسرح وبيروت المدينة ولدت علاقة من نوع خاص تجربة استثنائية جمعت وفقا للأسدي الجمهور والنقاد والممثلين في حوار مفتوح بعد انتهاء الحرب في لبنان التسعينيات كانت الحركة المسرحية العربية تعيش شبه عزلة عن جمهورها في ظل غياب الدعم والمؤسسات الثقافية القادرة على خلق تواصل حي مع الناس ورغم ذلك تمكنت تجربة مسرح بابل في تلك المرحلة من توسيع حدودها فالنص لم يعد هو مركز المسرحية الوحيد بل امتد الفعل المسرحي من خلال البروفات خارج الورق إلى الجسد والصوت وإلى نص الممثل وارتجالاته لكن ماذا عن اليوم وما نحياه في زمن التواصل السريع وشاشاته هل نحن بحاجة حقا لـخشبة لتقديم العرض تتساءل محاورته ويأتي جواب المخرج العراقي بكلمة واحدة حتما ينظر الأسدي إلى المسرح بعين الضرورة الاجتماعية ويطمح أن يرتقي به إلى حدود الكتابة التشكيلية فرغم كل الجحيم المخيم على المنطقة من بغداد إلى بيروت ليس مثل الركح قادرا على تمثيل الواقع وتجاوزه كما يؤكد ويبرهن على ذلك من خلال الحركة الشبابية النشطة التي تشهدها مسارح بيروت اليوم ويرى صاحب كتاب المسرح جنتي أن المسرح اليوم يقف أمام صراع معقد يتعلق بقدرة الفن على لمس الناس في زمن يعج بالإلهاء والسرعة فالمشهد المسرحي يعتمد في أولياته على الكتابة التي يقاربها من زاوية التأمل الوجودي الطويل صامويل بكيت كتب في انتظار غودو بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات وسعد الله ونوس استغرقته كتابة الاغتصاب ثلاث سنوات ومن هنا فإن ما يجري في غزة من إبادة لا شك أنه سيأخذ صداه وتمثلاته في المستقبل وفقا للأسدي لكن هذا لا يعني الوقوف عند النص المكتوب كما يستدرك فالممثل في عمله لا يتلقى النص كحقيقة جاهزة بل يولده من داخله النص كما يرى لا يبنى من الورق فقط وإنما من التجربة الإنسانية التي يحملها الجسد وضمن هذا السياق استذكر عمله أرامل على البسكليت 2008 الذي حقق تفاعلا كبيرا في مقاربة دور المرأة من خلال ارتجالات الممثلين الأسدي الذي لفت في مستهل أمسيته إلى أن الحزن ضرورة عضوية في تاريخ الأفراد والفنون عاد ليؤكد ذلك أيضا في ختامها خصوصا في اللحظات التي تشهد تحولات كبرى كالتي نعيشها اليوم مع ما يحدث في غزة وجنوب لبنان وأشار إلى أن الألم الجماعي الذي يتشكل أمامنا سيترك أثرا عميقا وطويل المدى في وعينا الجمالي والسياسي نحن أبناء اللا استقرار نصنع مسرحنا من هشاشة البيت ومن وجع التاريخ وفي ختام حديثه أعلن الأسدي أنه يعمل حاليا على عرض مسرحي جديد في بيروت بالتعاون مع أكاديمية مدى ومن المقرر تقديمه على مسرح مونو في الشهر الرابع من العام المقبل مشيرا إلى أن العمل سيواصل مقاربة الأسئلة ذاتها التي يفتحها الواقع اليوم لكن بلغة مسرحية جديدة