جناية حب تجربة درامية طموحة تصطدم بحدودها

75 مشاهدة
من الصعب الإحاطة نقديا بجميع جوانب المسلسل الكويتي جناية حب إخراج سعيد الماروق الذي عرض خلال شهر رمضان في مقال صحافي واحد إذ يتطلب تفكيك مادته البصرية وإعادة تركيبها مساحة أوسع نظرا إلى تشابك عناصره وتعدد مهاراته الفنية المتخصصة هذه العناصر سعت إلى ملاحقة القصد الأدبي لرواية بثينة العيسى السندباد الأعمى 2021 التي استند إليها في كتابة السيناريو بقلم بلال فضل فيما تولت العيسى نفسها كتابة الحوار باللهجة الكويتية في هذه العتبة نحن أمام حالة انتقال واضحة من فن الرواية إلى الفن البصري بصيغته المنصاتية التي تختلف شكلا ووظيفة عن الدراما التلفزيونية التقليدية فرغم التعامل مع العمل بوصفه مسلسلا سبع حلقات نجده يقترب من بنية شبه سينمائية إذ تقوم مسلسلات المنصات على تكثيف السرد البصري وتفعيل عناصر السينوغرافيا من أزياء ومكياج وتصميم شخصيات بما يمنحها دورا أكثر فاعلية مقارنة بالمسلسل التلفزيوني هكذا يتحول الموسم المنصاتي إلى ما يشبه فيلما طويلا مقسما إلى حلقات مع قابلية للفصل البنيوي حتى بين الحلقات نفسها وهذا ما يعتمده جناية حب إذ يعاد الحدث الواحد من زوايا نظر متعددة تخصص لكل شخصية حلقة تروي فيها الحدث من منظورها الخاص هذه التقنية تقارب السرد السينمائي وتنطوي على مغامرة فنية واضحة غير أن هذه المغامرة لا تكتمل تماما فالعمل لا يستقر بالكامل في منطقة السينما ولا يرسو بوضوح ضمن منطق المواسم المنصاتية بل يظل متأرجحا بينهما وبين المسلسل التلفزيوني التقليدي ومع أن هذه الحالة تستحق الإشادة بسبب جرأتها تظل أيضا موضع ملاحظة ونقد إذ يطرح العمل في مجمله سؤالا ملحا حول مصير الدراما التلفزيونية التي تبدو أكثر فأكثر فاقدة أفقا إبداعيا واضحا توازيا وقبل الدخول إلى المحتوى يفرض الاشتغال على تقنيات العمل نفسه حضورا نقديا وفي مقدمها تقنية الـفلاش باك التي اعتمدها المسلسل وهي أداة سردية حساسة قد تتحول إلى عنصر إرباك يفقد العمل صدقيته إذا لم تستخدم بحذر خصوصا حين تسند إليها مهمة رواية أحداث لم يكن الراوي شاهدا مباشرا عليها تتضح هذه الإشكالية في الحدث التأسيسي للدراما جريمة قتل نواف حسين المهدي لزوجته نادية هيا عبد السلام بدافع الغيرة فالمفارقة أن نادية نفسها الضحية تتولى سرد الواقعة فيما تستكمل التفاصيل عبر شهادات شخصيات أخرى قد لا تكون عاينت الحدث كاملا أو لم تحط بتفاصيله الدقيقة ويزداد هذا الالتباس مع استدعاء وقائع تعود إلى زمن الاجتياح العراقي وهي بطبيعتها أحداث اتسمت بالسردية والتشظي ما يجعل إعادة بنائها سرديا أكثر تعقيدا بهذا المعنى يتعرض التصميم السردي لثغرات واضحة قد تدفع المشاهد إلى التوقف عندها متسائلا ومشككا ولا سيما في ظل تعدد الأزمنة وتداخلها والتنقل المستمر بين سنوات مختلفة تتطلب جهدا إضافيا لإعادة ربطها هنا يصبح التلقي منقوصا إذ لا يفترض بالمشاهد أن يعلق متابعته ليعيد ترتيب الخط الزمني ويفكك التشظي السردي كي يفهم ما يعرض أمامه المفترض أساسا أن يقدم بوصفه تجربة مشاهدة ممتعة ومتماسكة في هذا السياق تبدو مسؤولية السيناريست والمخرج مضاعفة بوصفهما المشاهد الأول أو السوبر مشاهد القادر على تقدير الحد الأدنى من الوضوح الضروري لتحقيق الفهم والمتعة معا ومن هذه الزاوية تبدو أسلوبية الـفلاش باك في جناية حب في حاجة إلى قدر أكبر من الضبط والروية إن لم نقل إلى إعادة نظر أعمق في كيفية توظيفها ضمن البناء السردي كله لا تستلزم الرواية مصادرة الخيال فالقارئ يبني المكان والشخصيات وفق مرجعياته الخاصة ويملأ فراغات السرد بما يتيحه له النص من احتمالات في المقابل يفرض السرد البصري محدداته المكان والزمان وصور الشخصيات تعرض جاهزة والأحداث خصوصا تلك الخاضعة لاعتبارات رقابية تقدم بصيغة نهائية لا تترك للمشاهد هامشا واسعا لإعادة تخيلها هذا فارق تأسيسي في نقل الأدب إلى الشاشة ومن هذه الزاوية يمكن القول إن السرد البصري في جناية حب لم يتجاوز أفق الرواية التي انطلق منها وهي ملاحظة ينبغي الالتفات إليها في التجارب المقبلة المطلوب ليس ترجمة أمينة للأحداث بل تفجير طاقتها دراميا عبر تشخيص بصري مواز للواقع في العمل تبدو هذه الطاقة خجولة ومترددة لا تتخطى حدود النص الأدبي ولا تغامر في اقتراح زوايا أو طبقات تتجاوز المألوف أو تقترب من المناطق الملتبسة في النفس الإنسانية الشخصيات في معظمها منضبطة ضمن منطق الآداب العامة للبيئة حتى مع الإشارة الخافتة إلى أجواء أكثر انفتاحا في جامعة الكويت وهنا يبرز السؤال الحاسم هل أضاف هذا الاشتغال البصري شيئا إلى الرواية من حيث الجرأة أو الكشف الإجابة على الأرجح سلبية فالعمل شديد التهذيب رقابيا ولا يقدم إضافة إبداعية نوعية بقدر ما يقدم ترجمة تلفزيونية لحكاية مألوفة في المجتمعات العربية تميزها نكهتها المحلية لا أكثر في المقابل يقدم العمل مكسبه الأوضح على مستوى الأداء التمثيلي فالممثلون الكويتيون يظهرون هنا بقدر عال من الاحترافية يتجاوز ما اعتدناه في كثير من الإنتاجات التلفزيونية منذ زمن خالتي قماشة وما تلاه من تجارب تجمع بين الطرافة والموهبة في جناية حب نحن أمام أداء واع بحدود الشخصية المكتوبة وقادر في الوقت نفسه على الإيحاء بما وراءها من خلفيات اجتماعية وأسرية يعقوب عبد الله وهيا عبد السلام وحسين المهدي وصمود المؤمن وسواهم أدوا أدوارهم بمهارة وتنافسية إيجابية تشبه تبادل الكرات في مباراة كرة طاولة متقنة الإيقاع ما يعزز الثقة بقدرتهم على حمل أعمال أكثر تعقيدا في المحصلة نحن أمام عمل يستعيد على مستوى الحكاية والإخراج أصداء من سينما السبعينيات المصرية بتلك الرومانسية التي تقوم على قصة حب اجتماعية يخرقها حدث ملتبس يقوض العلاقة ويكشف البنية القيمية للشخصيات هذه القيم التي تبدو متقادمة تظل فاعلة في الأعماق وتتحول إلى عبء لا تستطيع الشخصيات الفكاك منه رغم ادعاء رفضها يتجلى ذلك بوضوح في شخصية نواف في المشهد الأخير إذ يبدو عاجزا عن الشفاء متصالحا على نحو مقلق مع الأذى الذي ارتكبه أما الإخراج فيبقى تقليديا إلى حد بعيد رغم محاولة إدخال مقاربات سينمائية إلى بنية المسلسل التلفزيوني اللقطات تميل إلى التكرار والإطالة والعناية بالسينوغرافيا بوصفها عنصرا حاسما في الدراما المنصاتية جاءت محدودة وغير مستثمرة بما يكفي ومع ذلك تحسب للعمل جرأته في محاولة المزاوجة بين لغتين مقاربة الرواية بصريا ومقاربة الدراما المنصاتية تلفزيونيا بما يسمح بمشاهدته ضمن النمطين معا تبقى مع ذلك تقنية الفلاش باك موضع مساءلة جدية في انتظار ما قد يحمله موسم ثان من مراجعات أو تطوير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح