جزيرة خرج العقدة التي تمسك شريان النفط الإيراني إلى العالم
56 مشاهدة
في الركن الشمال الشرقي للخليج العربي قبالة سواحل محافظة بوشهر الإيرانية تبدو جزيرة خرج قطعة يابسة صغيرة لا تتجاوز مساحتها نحو 25 كيلومترا مربعا لكنها في حسابات الطاقة أكبر بكثير من جغرافيتها فهذه الجزيرة ليست مجرد ميناء نفطي بل هي الرئة التي تتنفس منها الصادرات الإيرانية والعقدة التي يمر عبرها الجزء الأعظم من الخام الإيراني قبل أن يشق طريقه إلى الأسواق الآسيوية ولهذا لم يكن مستغربا أن تستعاد في خضم الحرب الجارية كل التحذيرات القديمة بشأنها وأن تعود الوثائق الاستخباراتية والدراسات الاستراتيجية إلى وصفها القلب الحقيقي للاقتصاد النفطي الإيراني nbsp ولذا يرى بعض المحللين أن استهداف الجزيرة أو الاستيلاء عليها قد يعرقل بشكل كبير عائدات النفط الإيرانية التي تمثل مصدرا أساسيا لدخل الحكومة وقال بنك جي بي مورغان الاستثماري الأميركي في مذكرة حديثة إن صادرات النفط الإيرانية ستتوقف وسيتراجع الإنتاج إلى النصف إذا استولت الولايات المتحدة وإسرائيل على الميناء بجزيرة خرج مما سيؤدي إلى مزيد من الهجمات من طهران على البنية التحتية النفطية الإقليمية وأفاد موقع أكسيوس في السابع من مارس آذار بأن الإدارة الأميركية ناقشت الاستيلاء على الجزيرة التي تقع على بعد حوالي 30 كيلومترا من الساحل الإيراني في الخليج وتقوم بمعالجة 90 من صادراتها من النفط الخام أهمية تاريخية تاريخيا لم تأت مكانة جزيرة خرج من فراغ ففي وثيقة صادرة في يونيو حزيران 1984 ورفعت عنها السرية بعنوان جزيرة خرج محطة تصدير النفط الرئيسية في إيران وصفت وكالة المخابرات المركزية الأميركية مرافق خرج بأنها الأهم في النظام النفطي الإيراني واعتبرت أن استمرار عملها ضروري لسلامة الاقتصاد الإيراني هذا التوصيف يعود إلى زمن الحرب العراقية الإيرانية لكنه بقي صالحا إلى حد بعيد حتى اليوم لأن بنية التصدير الإيرانية ما زالت ترتكز على هذه الجزيرة أكثر من أي نقطة أخرى شرايين الصادرات وأشارت إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن جزيرة خرج هي أكبر محطة تصدير نفط في إيران وأن معظم صادرات الخام الإيرانية تمر عبرها كما توضح أن محطة خرج تضم المرفأ الرئيسي وجزيرة بحرية ذات أربعة مراس ثلاثة منها تشغيلية وأنها تستقبل الخام القادم من الحقول البرية الرئيسية ولا سيما خامي إيران الخفيف وإيران الثقيل إضافة إلى بعض الإنتاج البحري وجزيرة خرج لا تعد حقلا نفطيا رئيسيا ينتج الخام بحد ذاته بقدر ما تمثل القلب اللوجستي لتخزين النفط الإيراني وتحميله وتصديره nbsp ونقلت وسائل إعلام إيرانية أن قدرة التحميل القصوى في خرج تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميا مع طاقة تخزينية تقارب 23 مليون برميل لذلك فإن أهمية الجزيرة لا تقاس بما تنتجه مباشرة بل بما تستطيع شحنه وتخزينه وربطه بين الحقول والأسواق وبحسب رويترز فإن إيران تنتج نحو 3 3 ملايين برميل يوميا من النفط الخام إضافة إلى 1 3 مليون برميل يوميا من المكثفات وسوائل أخرى بينما يمر عبر خرج نحو 90 من صادرات الخام الإيرانية لهذا تمثل خرج نقطة التقاء شبكة الإنتاج الإيرانية كلها تقريبا فالنفط المستخرج من الحقول الجنوبية والجنوبية الغربية ولا سيما في خوزستان يتجه عبر الأنابيب إلى هذه الجزيرة ليخزن ويحمل على الناقلات العملاقة وبفضل عمق مرافئها وتجهيزاتها تستطيع خرج استقبال ناقلات كبيرة بكلفة شحن أقل وكفاءة أعلى وهو ما جعلها لعقود العمود الفقري لتجارة النفط الإيرانية وفي المقابل تملك إيران محطات أخرى مثل لافان وسيري لكن خرج تبقى الأكبر والأهم بينها هذه الأرقام تجعل أي حديث عن استهداف الجزيرة حديثا عن خنق الشريان الأساسي للصادرات الإيرانية لا عن تعطيل منشأة جانبية يمكن التعويض عنها بسهولة الأسواق الصين أولا أما على مستوى الأسواق فقد تغيرت خريطة زبائن النفط الإيراني بفعل العقوبات الغربية لكن جزيرة خرج بقيت البوابة نفسها وإن تبدلت الوجهة فهذه الجزيرة لم تفقد موقعها المحوري حتى مع تبدل المشترين ومسارات البيع وآليات الشحن بل ظلت نقطة الانطلاق الأساسية للخام الإيراني نحو آسيا ومع تقلص حضور المشترين الغربيين واتساع أثر العقوبات أصبح النفط الإيراني يعتمد أكثر على شبكات بيع ونقل أكثر تعقيدا تتداخل فيها شركات وساطة ومسارات شحن ملتوية وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى ومع ذلك بقيت خرج في صلب هذه المنظومة لأنها تظل نقطة التجميع والتحميل الرئيسية التي يخرج منها الخام الإيراني إلى البحر قبل أن يبدأ رحلته التجارية الطويلة نحو المصافي الآسيوية وبحسب رويترز أصبحت المصافي الصينية الخاصة المشتري الرئيسي للنفط الإيراني رغم الضغوط والعقوبات الأميركية وهو ما منح خرج أهمية إضافية لا تتصل فقط بحجم الصادرات بل أيضا بطبيعة السوق التي تستقبل هذه الصادرات واستمرار حاجتها إليها وفي حال تعرض جزيرة خرج لضربة كبيرة فإن الصين ستكون المتأثر الخارجي الأول الاستهداف صدمة إيرانية أما بالنسبة إلى إيران نفسها فإن استهداف خرج سيعني شيئا أشبه بصدمة مزدوجة الضربة الأولى مالية لأن النفط يمثل موردا حيويا للعملة الصعبة والإيرادات العامة والضربة الثانية تشغيلية لأن تعطل خرج لن يؤثر فقط في الشحنات الجارية بل سيضغط على سلاسل الإنتاج والتخزين داخل البلاد ورغم أن إيران عملت خلال السنوات الماضية على تطوير بدائل لكن إدارة معلومات الطاقة الأميركية أوضحت أن خرج ما زالت تحتفظ بمكانتها المركزية في منظومة التصدير الإيرانية لهذا كله يمكن فهم لماذا بقيت جزيرة خرج حتى الآن في منطقة الردع المتبادل أكثر من منطقة الاستهداف المباشر فهي بالنسبة إلى إيران ليست مجرد منشأة بل عصب اقتصادي وسيادي وبالنسبة إلى المشترين وفي مقدمتهم الصين هي نقطة عبور حيوية لتدفقات خام يحتاجونها وبالنسبة إلى السوق العالمية هي واحدة من أكثر العقد حساسية في تجارة الطاقة