جزيرة إسمنتين

21 مشاهدة

أرض معزولة شرق القاهرة، تُحيطها الأسوار من جميع الجهات، ممنوعٌ الوصول إليها إلّا للمنتمين إليها، ومحجوبٌ رؤيتها على المحرومين منها. جنةٌ فانتازية كتلك التي تراها على سطح المكتب كلما فتحت حاسوبك المُغبَّر بركام الجو وتراكم المهام. هي جزيرةٌ مُسيّجة بما هو أكثر عزلاً لها عن الماء، حيث الحجارة المُتعالية، والأبراج المراقِبة، وعلى حدودها الفاصلة سورٌ له باب، يخالونه آخرة العز بباطنه الرحمة وظاهره من قبَله العذاب، إذ لا فرصة لالتقاء العالَمين ولو صدفة، ولا يمكن للحرافيش التعرقل ولو في أحذية البشوات، الشعرة الوحيدة التي يُسمح (بحكم الحتمية) بالتقاطع فيها هي نقطة السكيوريتي حيث ذلك الحارس الغارق في عرَقه، وهؤلاء الغرقى بالجرعات الزائدة من عطورهم الغربية، تحت لوحة مدخل مدينتي، وعمودها الفقري الجديد ذا سباين، الذي أشبه ما يكون بسكين تشق خاصرة البلاد.

بسبعة وعشرين مليار دولار، أو كما يحبّ رئيس الوزراء تمصيرها 1400 مليار جنيه، في وطنٍ يتنشّق على الـ1400 جنيه، تفتتح الحكومة برفقة المُدان سابقاً في قضية قتل سوزان تميم والمُعفى عنه رئاسيًّا، هشام طلعت مصطفى، مدينته الجديدة داخل مدينتَي الجديدة، إذ تتكاثر الوحدات المُمليَنة على مدّ البصر، نتيجة تكاثر غير شرعي بين الحجر والخرسانة، ليُنجبا جزراً إسمنتية جديدة، معزولة عن السكان الأصليين، تُدار فيها شبكات القبح لا القباحة وثمّة فرق دلاليّ في اللهجة المصرية بينهما، لكن النتيجة مُتقاربة: خطيئة استرخاص الإنسان.

على سلمٍ تحت جناح الطريق، خلال رحلتي اليومية إلى جامعة القاهرة قبل أكثر من عقد، كانت سيدةٌ تسكن بَسطة السُلّم، ربما تعود نهاية اليوم إلى غرفة متواضعة تعيل فيها أبناءها، حيث كان أكبر همومها غياب الغسالة والبوتاجاز والثلاجة (لا أعلم ما الذي لديها بعد ذلك من أجهزة). أتذكّرها لا أعلم لماذا، لكنها أوّل ما ورد لخاطري حين تذكرت مخزوننا الاستراتيجي من الإسمنت، الذي يبني مدن أشباح، بينما البشر لا يجدون ما يسكنونه.

يبنون في كلّ بحرٍ جزيرة إسمنتينٍ جديدة، فوق لحوم الأطفال، وعيون الجوعى، وشقاء فتيات البلاد وفتيتها

تلك السيدة، التي لم يكن لها مسكنٌ في الحياة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح