جذوة الإبداع في مهب الزمن
دائماً ما يُعيد صدور أعمال جديدة لمبدعين في خريف العمر سؤالاً ملغزاً عن علاقة الزمن بالإبداع، ولعل أحدث الأمثلة على ذلك تجربة أدونيس، الذي أصدر في منتصف عقده العاشر ديواناً جديداً بعنوان هجرة الشمس (دار الساقي، بيروت، 2026). ويبدو أن أدونيس لم يبتكر أدوات جديدة بقدر ما عاد إلى فطرته الأولى مستأنساً بالطبيعة، مع اعترافٍ بما انفلت من بين يديه بعد أن اكتملت التجربة:
نعم يا صديقي القارئ، يكاد عمري أن يقول وداعاً للضوء، ولم أتقن بعد فنّ الاستضاءة. وهو ما يفتح الباب مجدداً أمام السؤال الملغز: هل ينال الزمن من الطاقة الخلّاقة كما ينال من الجسد، أم إن للإبداع شأناً آخر؟
علمياً، يبدو الجواب محسوماً؛ باعتبار أن الإبداع مخاض الدماغ، والدماغ كباقي أعضاء الجسد عُرضة للشيخوخة التي قد تسلمه حتى إلى الخرف. غير أن تاريخ الأدب والفن عموماً لم يخضع لهذه الحتمية؛ فبقدر ما يزخر بأسماء خفتت قدرتها على الإدهاش في المحطة الأخيرة، يفيض بتجارب بلغت واحة الإبداع آمنة مطمئنة، وأخرى آثرت الانسحاب بشجاعة تليق بتاريخها. لتظل العلاقة بين الزمن والإبداع أكثر تعقيداً من أن نختزلها في نظرية، ربما لأن التجربة الإنسانية بطبيعتها عصية على القياس ولديها القدرة على مباغتة كل التوقعات والنظريات.
ما إن يكتمل القمر بدراً
كثيراً ما نربط بين ذروة العطاء وفوران الشباب بشعلته المتقدة؛ فها هو أرتور رامبو يقلب موازين الشعر بتجربته الفريدة في سن السابعة عشرة، والتي خرجت مكتملةً كما خرجت منيرفا كاملة من رأس زيوس. رغم ذلك، تُبدّد تجارب أخرى هذا اليقين، فلم يبدأ ماركيز دي ساد كتابة أعماله الروائية والفلسفية المثيرة للجدل، والتي أسست لتيار فكري ونفسي، إلا بعد أن تجاوز سن الأربعين والخمسين خلف قضبان السجون ومصحّات الأمراض العقلية. وما بين هذين القطبين، تقف كوكبة من المبدعين استغرق نضجها الفني مخاضاً طويلاً، ولم يبلغ ذروته إلا في منتصف العمر، بعدها راح يتناقص باطراد، أو يكرر نفسه على تنويعات شتى.
هل ينال الزمن من الطاقة الخلّاقة كما ينال من الجسد؟
نلحظ
ارسال الخبر الى: