جدلية القمع والتحرر كيف صنع العداء السعودي إجماعا جنوبيا
43 مشاهدة

4 مايو/ حافظ الشجيفي
يتجلى للناظر في أحوال السياسة حين تصادم طبائع الشعوب، أن بعض الدول تظن القوة في البطش، والسياسة في ليّ الأعناق، فتمارس من فنون الاستعلاء ما تتوهم به صياغة الوجود وفق مشيئتها، وما درت هذه القوى أن إرادة الجماعة إذا استقرت في سويداء القلوب صارت كالحديد الصلب، كلما ازداد الطرق عليه اشتد صلابة وتماسكا، وهذا ما نراه اليوم في المشهد الجنوبي الذي غدا آية من آيات التحول النفسي والاجتماعي، فلقد كان في الناس فئات شتى، منهم من اعتزل الفتنة وآثر السلامة، ومنهم من وقف على حياد بارد لا يعنيه صراخ القضايا ولا ضجيج الهويات، ومنهم من كان يحمل في صدره غلظة على المجلس الانتقالي أو ريبة من توجهاته، ويرى في الوحدة ملاذا أو في الانفصال مغامرة لا يشتهيها، غير أن كيمياء النفوس تتبدل حين يمس الكبرياء مسا مهينا، فمنذ ذلك اليوم المشهود في يناير المنصرم، حين انطلقت نيران القصف السعودي لتطال القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة، وقع في الوجدان الجمعي ما لم تحسب له الرياض حسابا، إذ لم يكن القصف مجرد حديد ونار، بل كان صدمة كهربائية أيقظت في المحايدين نخوة الأرض، ونزعت من صدورهم تلك الغشاوة التي كانت تحجب عنهم حقيقة الصراع، فإذا بهم ينقلبون من الصمت إلى الصياح، ومن الجمود إلى الغلو في الانحياز للقضية الجنوبية، حتى غدا أشد الناس عداوة للمجلس الانتقالي بالأمس هم اليوم أكثرهم ترفعا عن الخصومة معه، لا حبا في شخوصه بل ذودا عن الذات التي أرادت السعودية كسرها وإذلالها.
والمتأمل في فعل المملكة يجدها كمن يحاول إطفاء الحريق بصب الكيروسين عليه، فكلما أوغلت في استفزاز مشاعر الشعب الجنوبي عبر أدواتها وأذرعها المحلية التي باعت ذممها في أسواق النخاسة السياسية مقابل الفتات، وجدت أن هذا الشعب يزداد اشتعالا وتمسكا بحقه، فالسعودية بجهلها بطبائع الشعب الجنوبي تظن أن القمع يولد الخضوع، وما علمت أن الضغط في المعادلة الإنسانية يولد الانفجار، وأن الشعوب التي تمرست على الصعاب لا تزيدها المحن إلا مضاء، فهذه
ارسال الخبر الى: