سام برس جدلية الهوية في السياق المعاصر من الهوية المأزومة إلى الهوية الجامعة

بقلم/ الدكتور حسن العاصي
تبرز الهوية في عصرنا الحالي كأكثر القضايا إلحاحًا وإرباكًا في آن واحد. لم تعد الهوية مجرد تعريف بسيط للانتماء أو إطار ثقافي يحدد ملامح الجماعة، بل تحولت إلى معضلة حضارية تهدد استقرار الدول وتضع المجتمعات أمام امتحان وجودي. فحين تتنازع الهويات الدينية والعرقية والطائفية على المجال العام، وحين تُستخدم الهوية كأداة سياسية لإقصاء الآخر أو فرض نموذج أحادي، يصبح الوطن نفسه ساحة تفخيخ قابلة للانفجار في أي لحظة.
لقد انتهى زمن الصراعات الطبقية التي كانت تُعرّف المجتمعات في القرن الماضي، وحلّت محلها حروب الهويات، حيث لم يعد السؤال من يملك السلطة الاقتصادية؟ بل من يملك الحق في تعريف الانتماء؟. هذا التحول جعل الهوية الوطنية في مواجهة مباشرة مع قوى داخلية وخارجية، من جماعات فرعية تبحث عن التمايز، إلى إمبراطوريات عالمية تعيد رسم الخرائط وتذيب الحدود. ومع صعود التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، باتت الهوية مهددة بفقدان معناها التقليدي، إذ أصبح المستقبل يُبنى على برمجة رقمية لا على إرث تاريخي.
إن الهوية اليوم ليست مجرد قضية ثقافية أو اجتماعية، بل هي معركة حضارية تحدد مصير الشعوب في القرن الحادي والعشرين. فهي إما أن تتحول إلى عامل توحيد يفتح المجال أمام مشاركة حرة وتعددية، أو أن تبقى مأزومة، أسيرة الانقسامات والولاءات الضيقة، لتقود المجتمعات نحو التفكك والانهيار. الهوية، بهذا المعنى، ليست سؤالًا عن الماضي فقط، بل عن المستقبل: كيف يمكن أن نكون جماعة واحدة في عالم يتغير بسرعة، دون أن نفقد خصوصيتنا أو نذوب في هيمنة الآخر؟
هذه المقدمة تضع الهوية في قلب النقاش الأكاديمي، باعتبارها ليست مجرد تعريف للذات، بل معضلة حضارية كبرى، تُعيد صياغة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الوطن والعالم، بين التاريخ والتكنولوجيا.
الهوية كمعضلة حضارية
يُطرح مفهوم الهوية في ثقافتنا كإشكالية لم تُحسم بعد، إذ لم يتبلور بوصفه إطارًا معرفيًا قادرًا على تجسيد الانتماء الوطني وإنتاج اندماج اجتماعي متماسك. فالهوية، بدلًا من أن تكون عامل توحيد، كثيرًا ما تتحول إلى أداة انقسام نتيجة انسياقها وراء منظومات
ارسال الخبر الى: