ثلاثية جمال باروت السردية في الإعلام
في اللحظة التي تتكثف فيها الأسئلة الكبرى حول سورية الدولة، المجتمع، الهوية، والمستقبل يعود التاريخ ليحتل موقعه كأداة صراع لا تقل خطورة عن السياسة نفسها. فلم يعد الماضي مادة أرشيفية جامدة، بل أصبح حقلاً مفتوحاً لإعادة التأويل، حيث تتنافس السرديات على تفسير ما جرى، ومن ثم على توجيه ما سيجري. في هذا السياق، يبرز برنامج شهادة للتاريخ بوصفه محاولة واعية لإعادة إدخال الشهادة الحية إلى قلب النقاش العام.
غير أن استضافة المؤرّخ محمد جمال باروت، في ثلاث حلقات متتالية في برنامج حواري على شاشة تلفزيون سوريا نقلت البرنامج من مستوى التوثيق إلى مستوى إنتاج سردية متكاملة. وهنا لا نستمع إلى شاهد يروي، بل إلى عقل يحاول أن يعيد تركيب التاريخ السوري من الداخل: من البنية الاجتماعية، إلى التحولات الثقافية، وصولاً إلى العنف السياسي ومآلاته.
يبدأ باروت من ذاته، من حلب وحي الكلاسة، لكنه لا يلبث أن يحوّل هذه الذاكرة إلى مدخل لفهم جيل كامل. جيل، كما يقول، لم يقرأ للتسلية، بل بدافع عطش معرفي، قاده إلى مراكز ثقافية وقراءات مبكرة. غير أن هذه الصورة، رغم جاذبيتها، تطرح إشكالية منهجية: إلى أي حد يمكن تعميم تجربة نخبوية على جيل بأكمله؟
يصف باروت التحوّل الزراعي بـالمعجزة التنموية، حيث جرى الانتقال من نمط بدوي إلى مجتمع فلاحي مستقر
في الحقل الثقافي، يقدّم باروت دفاعاً واضحاً عن كسر المركزيات النخبوية، عبر تشجيع القصيدة الشفوية والاحتفاء بجماليات اليومي والنثري، مستلهماً تجارب مثل محمد الماغوط ورياض الصالح الحسين. يطرح هذا التحوّل كضرورة فنية لتجديد الشعر وتحريره من المركزية الأدونيسية، لكنه يعترف، في الوقت نفسه، بأن هذا الانفتاح أتاح ظهور نصوص ضعيفة. ويكشف هذا الاعتراف مفارقة أساسية: كل مشروع لتحرير الثقافة يفتح الباب أيضاً لفوضى المعايير. السؤال هنا ليس إن كان هذا التحول ضرورياً، بل إن كان يمكن ضبطه من دون أن يفقد روحه.
على مستوى أعمق، يعيد باروت قراءة التاريخ السوري من خلال المسألة الفلاحية، معتبراً إياها مفتاحاً لفهم الانقلابات العسكرية. يصف البرلمان في الخمسينيات ساحة
ارسال الخبر الى: