ثقافة الذاكرة الألمانية أمام اختبار غزة وهاجس مواجهة الماضي
في كتابه ثقافة الذاكرة الألمانية: بين المسؤولية التاريخية والكونية الأخلاقية (دار الناشر، رام الله، 2026)، يتتبع الباحث الفلسطيني خالد صالح عطية تحولات الذاكرة الألمانية، ويسائل علاقتها بالسياسة والشرعية الأخلاقية في أعقاب الحرب على غزة. وكيف يمكن لذكرى الهولوكوست، التي أسست لشرعية ألمانيا الأخلاقية بعد الحرب العالمية الثانية، أن تحتفظ بقوامها ودوافعها بعد جرائم الإبادة التي تعرض لها الفلسطينيون. فمنذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وألمانيا تواجه اختباراً غير مسبوق لسياساتها القائمة على المسؤولية التاريخية تجاه إسرائيل، وسط تنامي أصوات داخلية وخارجية تسعى لفك أواصر هذا الارتباط.
يبدأ عطية بالاستناد إلى مراجع كلاسيكية في مجال الذاكرة الجماعية، مؤكّداً في مستهل فصله الأول أن الذاكرة الجماعية تمثّل إطاراً ثقافياً وسياسياً يسهم في تشكيل الهوية الجماعية وتعريف المسؤوليات الأخلاقية للدول والمجتمعات. ومن هذا المنطلق، يقرأ التجربة الألمانية باعتبارها نموذجاً فريداً في التاريخ الحديث، إذ قامت جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد عام 1945 على أساس نادر، وهو الاعتراف بالكارثة التاريخية، وليس تمجيد الانتصارات الوطنية.
فكما يوضح الكتاب، لم تبنَ الشرعية السياسية الجديدة على روايات البطولة، ولكن على مفهوم محوري في الثقافة الألمانية، وهو مواجهة الماضي، والذي يشير، كما يشرح عطية بالتفصيل، إلى تطوير علاقة نقدية مستمرة مع الماضي تسمح بفهم أسباب الكارثة والعمل على منع تكرارها. ويشير الباحث هنا إلى أن هذه العملية لم تقتصر على المؤرخين أو الجامعات، وإنما امتدت إلى مؤسسات الدولة والتعليم والثقافة والإعلام، فأصبحت دراسة الحقبة النازية جزءاً أساسياً من المناهج التعليمية، وامتلأت المتاحف ومراكز التوثيق والنُّصب التذكارية التي تقام في الفضاء العام بإشارات متعددة لهذا الأمر.
يرى أن مفهوم مواجهة الماضي ظل حبيساً في شروطه الأوروبية
يمضي عطية في تتبّع تحول هذا المفهوم من كونه التزاماً أخلاقياً إلى شرط من شروط الحفاظ على النظام الديمقراطي نفسه. ويشير إلى أن القانون الأساسي الألماني لعام 1949، الذي جعل من حماية كرامة الإنسان والحقوق الأساسية محوراً للنظام السياسي، قد جاء استجابة للتجربة النازية القاسية.
غير أن الكتاب يتجاوز
ارسال الخبر الى: