ثقافة الاستعراض
يمتلئ التاريخ الثقافي والفني في العالم بالكثير من الشخصيات الثقافية والفنية التي حظيت بشهرة مصطنعة أو مبالغ فيها. فمثلاً في القرن التاسع عشر كان هناك كتاب حققوا رواجاً هائلاً في الصحف والمجلات، ثم اختفوا تماماً من الذاكرة، حتّى أننا لا نستطيع أن نستعيد أسماءهم. وفي المقابل، عاش بعض الكبار على الهامش أو في ضيق مادي ولم تُكتشف قيمتهم إلّا لاحقاً، مثل فرانز كافكا الذي لم يعرف مجده الحقيقي في حياته، أو فنسنت فان غوخ الذي لم يبع إلّا القليل من لوحاته وبأثمان زهيدة قبل موته. هؤلاء وأمثالهم كثر لم ينلهم التهميش، بل والتعتيم أيضاً، ليس لمجرد تواريهم فحسب، وإنما بفعل فاعل أيضاً، غالباً طغيان الزيف.
ليست ظاهرة التهميش والتعتيم المتعمد خطرة، إلّا لأنها تخلق بيئة معادية للجهد الحقيقي. فالمفكر الذي يقضي سنوات في بناء مشروعه الفكري، قد يجد نفسه مهمشاً أمام شخص يجيد إدارة حضوره، بحشر نفسه في كل مناسبة. أما الكاتب الذي يعمل بصمت، فقد يُقصى أمام شخص يجيد إثارة الانتباه. عادة لا ينجح هؤلاء إلّا بادعاءات لا تزيد عن أكاذيب مرسلة دونما ضابط. وإذا كانت لا تجد مقاومة ولا محاولات لفضحها، فلأنّ الصحافة ترتاح إليها، تأتيها الإثارة من تلقائها، وتقرع أبوابها، دون بذل جهد من صحافة كسولة، فلا تسعى إلى مفكرين وكتاب، ينكفئون في محترفاتهم، ويخلصون لعملهم، ولا يهمهم الظهور.
ولقد شهدنا في العقد الأخير أمثلة في عالمنا العربي، من كُتاب يختلقون قضايا زائفة، بالتطاول على شخصيات مقدسة أو تاريخية بحجة تصحيح التاريخ، من دون مؤهلات، تحت رعاية وسائل الإعلام، لهذا لم يعد غريباً، أن مثقفاً ينتقد الاستبداد يذهب إلى السجن، بينما مثقف آخر يحترف الكذب يذهب إلى الشهرة.
هذه الظاهرة المتوافرة اليوم، ليست وليدة عصرنا، وإنما أصبحت أكثر تركيزاً ووضوحاً، بعدما جعلت وسائل التواصل آليتها مكشوفة، سريعة، كأنّ ما كان يجري في الخفاء أو في دوائر ضيقة، صار اليوم يحدث أمام الجميع، وفي زمن قياسي. لا يحصل ملفقو الشهرة على المكانة إلّا بالادعاء، ما يجعل التهميش والتعتيم
ارسال الخبر الى: