سام برس توظيف الأساطير القومية بين تسيغاي غابري مدهين وكارلوس فوينتس

بقلم/ إبراهيم أبو عواد
ليس من الصعب أن نفهم لماذا يعود الأدب، في لحظات اضطراب الهُوية، إلى الأسطورة. حين يصبح الحاضرُ أرضًا غير مستقرة، ويبدو التاريخُ الرسمي ناقصًا أو منحازًا أو مكتوبًا من زاوية واحدة، تبحث الجماعة عن زمن آخر تستند إليه، عن آباء غابرين، وأبطال، وملاحم.
لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الأسطورة من مادة للسؤال إلى جواب جاهز. والأدبُ الذي يستدعي الماضي يمكنه أن يفتح التاريخَ على احتمالات جديدة، لكنه يستطيع أيضًا أن يعيد إنتاجَ أوهامه. والأسطورةُ، في هذه الحالة، ليست بريئة. قد تكون وسيلة لمقاومة النسيان، أو صناعةِ ذاكرة انتقائية، تمنح المُهمَّشين لغةً لاستعادة وجودهم، وتمنح السلطةَ كذلك صورةً برَّاقة عن أُمَّة غير متماسكة ولا متجانسة.
مِن هذه المنطقة الملتبسة يمكن قراءة تجربة الكاتب الإثيوبي تسيغاي غابري مدهين (1936_ 2006)، إلى جانب تجربة الكاتب المكسيكي كارلوس فوينتس ( 1928_ 2012)، ليس لأنَّ الكاتبَيْن ينتميان إلى مشروع أدبي واحد، أو لأنَّ الأساطير التي يستعملانها متشابهة، بل لأنهما يتعاملان مع الماضي القومي بوصفه مادة حية يمكن إعادة تشكيلها فوق خشبة المسرح أو داخل الرواية. لَم يتعاملا معَ التاريخ باعتباره سردًا مغلقًا، وإنما باعتباره حقلًا للصراع على معنى الجماعة: مَن نحن؟، ومِن أين جئنا؟، ومَن يملك حق الكلام باسم الماضي؟، وما الذي يحدث عندما تصبح الأسطورة أكثر حضورًا من الحقيقة التاريخية نفسها؟.
هناك سوء فهم شائع للأسطورة يجعلها شيئًا ينتمي إلى الماضي البعيد، إلى زمن الآلهة والأبطال والوحوش والمعجزات، وكأنها انتهت بمجرد أن بدأ العصر الحديث، لكن الأسطورة لا تموت حين يفقد الناسُ إيمانَهم الحرفي بها، إنها تنتقل إلى أشكال أُخرى.
قد تصبح الأُمَّةُ أسطورةً، ويصبح المَلِك المُؤسِّس أسطورة، وتتحول الهزيمة إلى ملحمة، والاحتلال إلى ذاكرة بطولية، والانقسام الداخلي إلى قصة عن وحدة مفقودة، والمقاومة إلى سردية تأسيسية. عندها لا تعود الأسطورة مجرد حكاية قديمة، وإنما تصبح طريقة لتنظيم الذاكرة. وهُنا تحديدًا تكمن أهمية مدهين وفوينتس. كلاهما يعود إلى الماضي، ليس للهروب من الحاضر، بل لقراءة الحاضر من
ارسال الخبر الى: