تنبؤات الأدب
المجال الأكثر رحابة لتنبؤات الأدب كان المجال العلمي، وهذا شديد الغرابة، إذ إن العلم حقول تخصصية تعتمد على الحسابات الدقيقة والعملية أكثر من اعتمادها على النظرية، ويمكن القول إن النظريات العلمية لاحقة بالمعمل، لا سابقة عليه، ولم أسمع عن ميل العلماء للتنبؤ بأي مسألة من مسائل العلم، ولكنهم عملوا على اكتشافها، أو ابتكارها.
أما المتنبئون فهم الأدباء، وقد كان لكتاب آلة الزمن للبريطاني هـ. ج. ويلز صدى كبير في التاريخ اللاحق كله، منذ أن كتب روايته هذه حتى يومنا هذا. واللافت أن يكون صدى الرواية قد تغلغل في الخيال البشري، بقدر ما تسرب إلى العلوم. وقد قدمت السينما عشرات الأفلام التي استعارت الفكرة من رواية ويلز، وطورتها إلى أبعد ما يستطيع الخيال أن يصل إليه. وربما يفكر العلماء كثيراً في إمكانية اختراع آلة تتحدى الزمن، كما استعارت السينما فكرة السفر عبر الزمن ومضت بها إلى جميع الاحتمالات، سواء أكان سفراً إلى الماضي، أم سفراً إلى المستقبل.
والقضية ليست في صدق الكاتب المتنبئ، أو في كذبه، بل في اهتمامه بالموضوع، وفي جرأته على التقدم بالفكرة النبوئية. وفي اعتقادي أن الأمر راجع إلى انشغال الكتاب، أكثر من العلماء في المصير البشري الذي يترتب على التقدم العلمي، فكثير من الاختراعات والابتكارات التي نجح العلماء في تقديمها للبشرية، أدى قسم كبير من بينها إلى فناء البشر، أو إلى وضعهم أمام خطر الفناء، مثل اختراع القنبلة الذرية، الصواريخ والقنابل والمسيرات والمتفجرات كلها ابتكارات علمية، وهي ابتكار علمي محض، ومن اخترعوها يمكن أن يكونوا قد ندموا على ذلك، أو أعلنوا خيبتهم من استخدامها في هيروشيما، ولكنهم لم يترددوا قط في استكمال الاختراع وفي تطويره، والدليل هو أن العالم يسير بخطى واسعة نحو المزيد من الابتكارات العلمية في ميدان الأسلحة.
التحذير من خطر فناء البشرية، هو مهمة سيتولاها الأدب دائماً
ولا يعني هذا أن العلماء لا يعنيهم المصير البشري، وإنما يعني أنهم من الناحية الأخلاقية يفضلون الندم، والأسف، على الرفض والامتناع والتوقف عن المزيد من الاختراعات في
ارسال الخبر الى: