حين تكتب الحرب سيرة عدن قراءة في رواية تحت الرماد

55 مشاهدة

ليست الحرب حدثًا يقع خارج الإنسان ثم ينتهي بانتهاء المعارك. إنها، في أعمق تجلياتها، تجربة تعيد تشكيل علاقته بالمكان والزمان والآخر وبذاته أيضًا. وحين تضع الحرب أوزارها، لا يكون كل شيء قد انتهى؛ إذ تبقى في الذاكرة أصوات الانفجارات، ورائحة الدخان، ووجوه الذين غابوا، وبيوت لم تعد كما كانت، وأحلام انقطعت قبل أن تبلغ نهاياتها. وربما لهذا السبب تظل الحرب، حتى بعد انطفاء نيرانها، في حاجة إلى أن تُروى.


غير أن الفرق كبير بين أن تُروى الحرب بوصفها خبرًا، وأن تُكتب بوصفها تجربة إنسانية. فالخبر يلاحق الحدث في خارجه: متى وقع؟ وأين؟ ومن شارك فيه؟ وكم كان عدد الضحايا؟ أما الأدب فيتقدم إلى المنطقة التي لا تستطيع الأرقام الوصول إليها: ماذا فعل الخوف بالإنسان؟ كيف تبدل وعيه؟ ماذا بقي من طفولته حين وجد نفسه فجأة في مواجهة الموت؟ وكيف يستطيع المرء أن يستعيد معنى الحياة بعدما رأى الموت قريبًا منه؟

من هذه المنطقة تحديدًا يمكن قراءة رواية (تحت الرماد) للأديبة عيشة صالح. فهي لا تبدو معنية بإعادة بناء حرب 2015 بوصفها تسلسلًا عسكريًا للأحداث بقدر ما تبدو منشغلة بما فعلته تلك الحرب في الإنسان، وفي الأسرة، وفي مدينة عدن، وفي الذاكرة التي تحمل آثارها حتى بعد أن تتراجع أصوات المدافع.


ولهذا فإن قيمة الرواية لا تستمدها من كونها تسجل وقائع حرب عرفها كثير من اليمنيين وعاشوا بعض فصولها، وإنما من قدرتها على تحويل الواقعة التاريخية إلى تجربة سردية، وعلى نقل الحرب من فضاء الأخبار إلى فضاء الوعي الإنساني.


ومن هنا أيضًا يصبح عنوان الرواية مفتاحًا أول لقراءتها. فـ(تحت الرماد) ليست عبارة تشير إلى ما خلفته الحرب من خراب فحسب، وإنما تحيل إلى شيء آخر أكثر عمقًا: إلى ما يبقى حيًا تحت سطح الخراب. فالرماد يخفي النار، لكنه لا يعني بالضرورة انطفاءها. وقد يكون ما تحت الرماد ذاكرةً أو حلمًا أو رغبةً في الحياة أو قدرةً على البدء من جديد.

إن الرواية، بهذا المعنى، لا تسأل فقط: ماذا فعلت الحرب بعدن؟

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع عدن تايم لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح