تفاعل المشهد الثقافي الإسباني مع حرب الإبادة على غزة

84 مشاهدة
لم يكن ذلك النقاش الذي اندلع في مطلع الخريف الإسباني لعام 2023 بعد موسم المعارض الأدبية لغويا فحسب كما أنه لم يكن وليد المشهد الإسباني الثقافي أو السياسي الداخلي لقد جاء من وقع القذائف التي كانت تنهال على غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر ليفتح في المشهد الإسباني سؤالا وجوديا كيف وماذا يمكن تسمية ما يحدث في غزة هل هو حرب مجزرة مقاومة أم إرهاب هذا السؤال أعاد بشكل أو بآخر صياغة علاقة الشارع الإسباني بالتاريخ والراهن معا فكما ارتبط تاريخ البلاد بغرنيكا nbsp بيكاسو التي صارت رمزا عالميا للدمار والظلم والفاشية ما كان يحدث في غزة منذ بداية العدوان وإلى اليوم يبدو أنه أدى الدور نفسه في الذاكرة الإسبانية المعاصرة لتغدو مرآة تعكس صراعا داخليا بين ثقافة حية لا تخشى تسمية الأشياء بأسمائها وخطاب سياسي متردد بين التضامن الإنساني والمصالح الاستراتيجية وعي شعبي يسبق السياسة ما يميز إسبانيا في السياق الأوروبي أن وعيها الشعبي والثقافي تقدم على خطابها الرسمي وربما هو الذي دفع بشكل أو بآخر كي يكون الأكثر تقدما على دول الجوار فبينما بقيت عواصم مثل برلين وباريس ولندن أسيرة قيود ذاكرة الهولوكوست التي تجعل من أي نقد لإسرائيل منطقة محرمة استطاع المجتمع الإسباني ــ طلبة ومثقفين وفنانين وحركات مدنية ــ أن يوسع أفق المقارنة ويجرؤ على ربط ما يحدث في غزة بتاريخ طويل من الاستبداد والحروب والاستعمار الذي عاشته إسبانيا ذاتها الوعي الشعبي والثقافي تقدم على الخطاب السياسي الرسمي هكذا تحولت الكلمات نفسها بعد الأشهر الأولى إلى ساحات قتال فكل توصيف حمل موقفا وكل مفردة أو مصطلح حددت انتماء صاحبها ومنذ السابع من أكتوبر 2023 أخذ الخطاب الثقافي الإسباني حول فلسطين يتشكل كاختبار للثقافة السياسية لا كمجرد موقف من صراع بعيد يمين يبرر القتل ويسار يجمل منذ اللحظات الأولى انقسم المشهد الثقافي والسياسي والإعلامي في إسبانيا إلى سرديتين متقابلتين شكليا لكنهما متقاربتان في الجوهر سارع اليمين حدث دون حرج عن اليمين المتطرف وخصوصا حزب فوكس بقيادة الحزب الشعبي إلى تبني لغة الحرب على الإرهاب مقدما إسرائيل بوصفها درعا غربية ضد التهديد الإسلامي في استعادة لخطاب ما بعد 11 أيلول هذا الخطاب السياسي في البرلمان الإسباني رافقه خطاب ثقافي مماثل ساند إسرائيل في ما ترتكبه من جرائم ضد الإنسان الفلسطيني وضد القيم والمبادئ التي تملأ كتبهم وقد عبر عن هذا الموقف الروائي الإسباني أرتورو بيريز ريفيرتي الذي قال إن الإسرائيليين مهما فعلوا يبقون منا ويشاركوننا قيمنا الديمقراطية مقابل ذلك اختار اليسار الاشتراكي لهجة أكثر تهذيبا الإدانة المبدئية لهجوم حماس تأكيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ثم الإحالة الدائمة إلى حل الدولتين بوصفه الأفق السياسي الوحيد الممكن لكن كلا الخطابين تجاهل السياق الأعمق سبعة عقود من الاحتلال والحصار ونظام فصل عنصري مستمر وبذلك بدا أن الاختلاف بين الطرفين كان حول اللغة التي يمكن بها التخفيف من عبء الضمير الأوروبي الإعلام ومعركة السردية على وقع هذا الخطاب السياسي فرز كذلك الخطاب الثقافي ورسم بعض المثقفين الإسبان من خلال مقالات رأي سياسية وثقافية في صحف مثل ABC والموندو والإسبانيول صورة لإسرائيل كحصن للديمقراطية في مواجهة الظلامية الإسلامية على خلفية مشاهد الدمار في غزة التي حولها إلى خلفية لملحمة مكافحة الإرهاب اختلاف حول اللغة التي يمكن بها التخفيف من عبء الضميرnbsp أما مقالات الرأي فقد تجاوزت الوقائع لتضع الهجوم الإسرائيلي في مستوى أحداث مفصلية مثل 11 سبتمبر مؤسسة بذلك سردية دينية أمنية عن حرب الحضارة أما الاشتراكيون فحاولوا من خلال منابرهم وأبرزها الباييس العزف على وتر أكثر إنسانية من خلال مقالات الرأي فتحدثوا عن ضرورة حماية المدنيين وعن التزام إسبانيا بحق الفلسطينيين في الدولة غير أن الوقائع السياسية والاقتصادية والديبلوماسية كشفت الوجه الآخر للخطاب صفقات السلاح لم تتوقف والتعاون الصناعي مع إسرائيل استمر حتى أثناء انضمام إسبانيا رمزيا إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد الإبادة إنها ازدواجية كلاسيكية في اليسار الأوروبي التعاطف الإنساني في الخطاب والتواطؤ العملي في السياسة كتب تستحضر الذاكرة بين هذين الخطابين قد يكون أحد أبرز ملامح المشهد الإسباني الثقافي هو تكثيف الإصدارات التي تناولت القضية الفلسطينية بجدية تحليلية وتوثيقية خلال السنوات الأخيرة دوريات ودور نشر إسبانية بارزة أطلقت دراسات وترجمات أطرت ما يحدث ضمن تاريخ طويل من الاستعمار والاحتلال ولعل أبرز دور النشر كانت دار كاتاراتا التي نشرت مجموعة من الكتب المترجمة والمؤلفة كانت من أبرزها الترجمة الإسبانية لكتاب عزمي بشارة فلسطين أسئلة الحقيقة والعدالة وكتاب بعد الإبادة المستقبل الفلسطيني المجهول للأكاديميين خوسيه أبو طربوش وإيسايس بارينادا وغزة تاريخ نكبة معلنة للباحثين إغناسيو ألباريث أوسوريو ألبارينيو وزميله خوسيه أبو طربوش إضافة إلى عدد كبير من الكتب الأخرى والمقالات التي أحدثت فرقا عند القارئ الإسباني إذ وجد أمامه تقريبا موسوعة مبسطة لفهم جذور الصراع وللمقارنة بين سرديات الإعلام السائدة وسجل الأدلة التاريخي والسياسي الذي تسلطه الدراسات اليوم وبعد عامين من الإبادة يظهر الخطاب الثقافي السياسي في إسبانيا أن الصراع ليس بين دول تتقاتل إنه في المقام الأول صراع سرديات تحاول احتكار المعنى فبين يمين يشرعن القتل باسم مكافحة الإرهاب ويسار يجمل التواطؤ باسم الضمير الإنساني تظل غزة رمزا للانكشاف الأخلاقي للغرب ولحدود ثقافته السياسية في مواجهة واقع لا يمكن تبريره ولا يتعلق الأمر بإسبانيا وحدها إنها ثقافة المؤسسة الغربية السياسية والثقافية التي ترى في إسرائيل امتدادا لذاتها وفي فلسطين اختبارا مؤجلا لإنسانيتها والحديث بكل تأكيد عن المؤسسات لا عن الشعوب nbsp

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح