حين تضاء العقول قبل الطرقات
في حضرة الحرمين، لا تُرفع المباني فحسب بل تُرفع الهمم لا تُبنى الطرقات فقط، بل تُضاء العقول قبل أن يُضاء الإسفلت. لم تكن رؤية المملكة مشروعًا لحفر الأساسات الخرسانية فقط، بل كانت مشروعًا لحفر الأسئلة العميقة في العقول:
ماذا يعني أن نخدم؟
كيف يكون العطاء امتدادًا للهوية؟
هل يمكن للأوطان أن تُبنى بالفكر قبل أن تُبنى بالحجر؟
في كل موسم من مواسم العمرة، حيث تتلاقى الأرواح تحت قبة السماء وتُذيب الطواف الفوارق، يلوح في الأفق وعيٌ جديد..
شباب وشابات لم ينتظروا نضجهم الطبيعي، بل امتدت إليهم الرؤية فأيقظت إدراكهم قبل الأوان.
لم يعودوا ينظرون إلى أنفسهم كمتطوعين عابرين، بل باتوا يرون أدوارهم كجزء من نسيج أعمق. كأنما اتسع وعيهم ليشمل ما وراء اللحظة، ليدركوا أن الخدمة في الحرم ليست مجرد عمل، بل مدرسة تُعلّم فن الحياة.
إنهم هناك، عند بوابات المسجد الحرام، في ساحاته، بين أفواج المعتمرين، لا يسألون: ماذا يجب أن نفعل؟
بل يسألون: كيف نُضيف للرحلة بُعدًا آخر؟
تراهم يُرشدون، يُساندون، يمسحون عن الزائرين مشقة السفر، ولكن في الحقيقة هم يفعلون أكثر من ذلك.
هم يشكّلون ملامح وطن لا يريد أن يُعرَف فقط بأبنيته الشاهقة، بل بعقوله التي أصبحت شاهقةً بوعيها، ونفوسه التي كبرت قبل أن تشيخ..
أخبار ذات صلة دمج الحاضر بعبق الماضي لمستقبل مشرقالحسد.. قاتلٌ يلتهم القلب بصمتأما موائد الإفطار، تلك التي تمتد كأنهار من كرم لا ينضب، فهي ليست مجرد مشهد رمضاني مألوف، بل انعكاس لفلسفة جديدة.
ليس العطاء هنا مجرد عادة موروثة، بل ممارسة وعيٍ نضج في ظل رؤيةٍ أرادت للوطن أن يكون أكثر من اسم على خارطة، بل رسالة تُقرأ في كل يد تمتد بالخبز، وفي كل كأس ماء يُروى به عطش الصائمين.
إنها ليست موائد طعام، بل موائد وعي يجلس حولها من أدرك أن الثروة ليست فيما نملك، بل فيما نقدّم..
وحين ننظر إلى الحرمين بعد سنوات من انطلاق الرؤية، ندرك أن ما تغيّر ليس فقط المآذن التي ازدادت ارتفاعًا،
أرسل هذا الخبر لأصدقائك على