حين تصبح الأغنية ملاذا من ضجيج العالم اغتراب يكسره لطف عابر

يمنات
وريس غريف/ شاعر ألماني معاصر
ترجمة: أبيل حسنوف
في مقصورة قطارٍ تمضي عبر ضجيج الحياة اليومية، يلوذ الشاعر بسماعاته، ضارباً جداراً من العزلة بينه وبين عالمٍ يراه مثقلاً بالتكرار والفراغ. عبر شاشة هاتفه التي يمررها بلا هوادة، يهرب “بوريس غريف” من واقعٍ تحوّل فيه البشر – في نظره – إلى مجرد كائناتٍ تتسلق سُلّم المهنة بآليةٍ مفرطة.
يرسم النص صورةً قاتمة لمجتمعٍ تسوده الرتابة؛ من برجوازيين ضيقي الأفق إلى أحاديث المقاهي التي لا تتجاوز حدود القرى، وصولاً إلى إعلامٍ لا يبث سوى أرقام الأوبئة ونذر الكوارث البيئية.
لكن، ووسط هذا الاختناق الوجودي، تبرز ومضة إنسانية غير متوقعة: امرأة مسنة تصعد العربة، فتنتزع الشاعر من عزلته ليقدم لها يد العون. في تلك الابتسامة المرتسمة على وجهها وكلمة “شكراً” الهادئة، يتجلى الأمل في أبسط صوره، معلناً أن الإنسانية لا تزال بخير.
النص الشعري
في القطارِ، أُحكمُ سدّاداتِ أذنيَّ،
وأُمرّرُ الشاشةَ في بحثٍ لا ينتهي.
لقد سئمتُ هذا العالمَ الممتدَّ حولي؛
مجردُ قطيعٍ يلهثُ صاعداً سُلّمَ المِهن.
برجوازيون بآفاقٍ ضيّقة، ونفوسٌ ينهشُها الإحباط،
ثرثرةُ مقاهٍ، وأصداءُ حكاياتٍ قرويةٍ رتيبة.
وعلى الشاشاتِ.. لا شيءَ سوى إحصاءاتِ الوباء،
مناخٌ من الأزماتِ، يغيبُ عنه الأمانُ والسكينة.
لا نرى إلا حروباً، كوارثَ،
وبؤساً بيئياً ينذرُ بنهايةِ الزمان؛
فألوذُ بالأغاني، أحتمي بالقصائد،
بينما لا يرتسمُ على الوجوهِ سوى الفراغ.
فجأةً.. صعدت امرأةٌ مسنةٌ العربةَ بوهن،
نهضتُ لأفسحَ لها مكاني.. فابتسمتْ.
سمعتُها تهمسُ بودٍّ: “شكراً”،
وحينها شعرتُ.. ربما، يوماً ما، سيكونُ كلُّ شيءٍ على ما يُرام.
قراءة نقدية: لاهوت التفاصيل الصغيرة
يُجسد نص “بوريس غريف” حالة الاغتراب المعاصر في أبهى صورها؛ حيث تتقاطع العزلة التقنية (السماعات والشاشة) مع الضجيج الوجودي للخارج. ورغم السوداوية التي تغلّف المشهد العام ووصف المجتمع بـ “القطيع”، إلا أن الشاعر يكسر حدّة هذا التشاؤم بفعلٍ أخلاقي بسيط.
إنها “جماليات الالتفات”؛ حيث يتحول الشاعر من مراقبٍ ساخط للعالم إلى جزءٍ فاعل فيه عبر مساعدة السيدة المسنة. الرسالة هنا واضحة: الأمل لا يأتي من التغييرات الكبرى
ارسال الخبر الى: