متى تشفى تونس
انتظمت يوم الجمعة الماضي مسيرةٌ صامتةٌ في العاصمة تونس للتنديد بما آلت إليه أحوال الحرّيات والحقوق في البلاد، وقد نُسّق لها منذ أشهر بمبادرة من ائتلافات وتنسيقيّات حزبية وجمعوية ومواطنية، ولكن الحصيلة جاءت متواضعةً جدّاً، إذ لم يشارك في المسيرة سوى مئات معدودة. ومع ذلك، كانت مبادرةً مهمّةً تحرص على تحرير الناس من الخوف والسيطرة على الفضاء العمومي، باعتباره ربّما آخر ما ظلّ من مكاسب ثورة الحرية والكرامة المغدورة.
المعارضة التونسية عاجزة عن التصدي للتدهور في المجالين الاقتصادي و السياسي
شارك في المسيرة صحافيون شباب ينتمون إلى الصحافة الإلكترونية خاصّةً، وحقوقيون ينتمون إلى منظّمات حقوقية ضُيِّق عليها سواء بإيقاف نشاطها، ولو مؤقّتاً، أو إحالتها على القضاء بتهم عادة ما تدور حول سوء التصرّف في الموارد المالية. كما سجَّلت هذه المسيرة مشاركة وجوه حزبية لعلّ من أبرزها ممثّلين عن حركة النهضة والحزب الجمهوري والتيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحرّ (قيادات هذه الأحزاب في السجن بعد صدور أحكام ثقيلة بحقّها)، في حين قاطعتها جلّ الأحزاب اليسارية والقومية، إمّا لأنّ هذه تساند الرئيس قيس سعيّد، وهي مقتنعة تماماً بأنّ سياساته ومواقفه، مهما تطرّفت، جديرةٌ بالمساندة، أو لأنّ لديها تحفّظات على هذه التوجّهات، غير أنّها تفضل بعض العتاب فحسب، فضلاً عن رفضها المطلق أيّ شكل من التنسيق والتقارب مع خصوم الرئيس، خصوصاً حركة النهضة وكلّ من اقترب منها، على غرار التيار والجمهوري... إلخ.
بعد سبع سنوات رافقها إخفاق ذريع، سواء في المجال الاقتصادي أو السياسي، تظلّ المعارضة عاجزةً عن التصدّي لهذا التدهور. مئات السياسيين والإعلاميين ورجال الأعمال صدرت بحقّهم أحكامٌ ثقيلة داخل السجون، ومنظّمات حقوقية وجمعيات مشلولة تلاحقها المحاكم، وتراجع مساحات التعبير الحرّ وعودة ثقافة الخوف. وعلى الصعيد الاجتماعي، البطالة وغلاء الأسعار، علاوة على تدهور الخدمات العمومية، وتحديداً مرفقَي الصحّة والتعليم، تتفاقم سنة بعد أخرى. والإحصائيات الرسمية تدعم هذه اللوحة القاتمة. ومع هذا، وباستثناء بعض تحرّكات محدودة، يستسلم الجميع لهذا القدر المحتوم.
علينا، حتّى نفهم هذا السلوك السياسي العام، أن نستحضر جملةً من الفرضيات التي
ارسال الخبر الى: