حين تستدعى دماء الجنوب للحرب وتصادر إرادته في تقرير المصير

تبدأ الحكاية من مفارقةٍ لا تخطئها عين: ففي الجنوب مواطنٌ منهك يطارد راتبًا تتآكل قيمته، ويبحث عن كهرباءٍ لا تنقطع، ويعيش تحت ضغط اقتصادٍ يزداد قسوةً وخدماتٍ تتراجع يومًا بعد يوم، وفي الوقت نفسه، تُفتح أمام القوات الجنوبية المسلحة أبواب جبهاتٍ جديدة، ويُطلب منها أن تحمل السلاح خارج حدوده. وما بين البيت الذي ينتظر الضوء والجبهة التي تنتظر المقاتل، يقف السؤال الجنوبي الكبير: كيف عجزت رعاة الحرب عن إدارة أبسط تفاصيل الحياة في محافظات الجنوب التي تستمد الحكومة من أرضها المحررة شرعيتها، بينما تجد القدرة على إدارة اتساع الحرب؟
ومن هنا لم يعد الغضب الشعبي الجنوبي المتصاعد يوميًّا مجرد رد فعل على انقطاع الكهرباء أو ارتفاع الأسعار؛ لقد تجاوز ذلك إلى سؤالٍ أعمق يسأل عن طبيعة القرار، ومن يملكه، ومن يدفع ثمنه. فحين تتراكم الأزمات، ويتحول الوعد إلى انتظار، والانتظار إلى خيبة، تبدأ إرادة هذا الشعب في اكتشاف أن المشكلة ليست دائمًا في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة التي تجعل الحل أولوية، وهنا معها ينتقل السؤال من وظيفته الخدمية إلى سؤال ذي بعد سياسي واضح، يجعل من الراتب والكهرباء والأمن مدخلًا إلى سؤال أكبر: من يدير الجنوب، ولمن تُرتب أولوياته؟ فهنا تتراءى مع الإجابة عن هذه التساؤلات من أن الحكومة ما هي إلا مجرد وظيفة إرادية مسلوبة من صنع قرار الحلول بفعل الوصاية التي صارت تتحكم بكل تفاصيل قرارها.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز حدة الحرب الجديدة وتتصاعد ضد الحوثيين؛ فإذا كانت هذه الحرب قرارًا سياسيًّا، فمن يملك قرار استمرارها؟ ومن يملك حق إيقافها؟ ومن يحدد السقف الذي تتوقف عنده القوات الجنوبية؟ إن أخطر ما في الحرب ليس عدد الجبهات، بل أن تدخل القوات الجنوبية معركةً مفتوحة لا تعرف سقفها السياسي، ولا حدودها الزمنية، ولا شكل النهاية التي تنتظرها؛ فالمقاتل الجنوبي يستطيع أن يتقدم، لكنه لا يستطيع أن يمنح الحرب معناها السياسي؛ لأن البندقية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع أن تجيب عن سؤال: ماذا بعد الانتصار؟
وهنا تظهر المفارقة
ارسال الخبر الى: