هل تستحق الحياة كل هذا
قال أبو البقاء الرندي في قصيدته الشهيرة في رثاء الأندلس:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ … فَلَا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ
هِيَ الأُمُورُ كَمَا شَاهَدْتُهَا دُوَلٌ … مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءَتْهُ أَزْمَانُ
وَهَذِهِ الدَّارُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ … وَلَا يَدُومُ عَلَى حَالٍ لَهَا شَانُ
تدفعنا هذه الأبيات إلى طرح أسئلة وجودية عميقة عن معنى الحياة: كيف يواصل الإنسان السير وهو يشعر أن الحياة أثقل من قلبه؟ وكيف يتحوّل اليوم العادي إلى معركة صامتة ضد الفراغ، وضد الفقد، وضد التكرار؟ هل المعنى شيء نعثر عليه في العالم أم شيء نصنعه من داخل هشاشتنا؟ ثم هل تستحق الحياة كل هذا فعلًا أم أننا نواصلها لأننا لا نملك بديلًا أخلاقيًّا عن الاستمرار؟
غالباً لا ينبع هذا السؤال من فضولٍ نظري، بل من قلب التجربة الوجودية ذاتها، من لحظة ينهار فيها التفسير، وتتعطَّل اللغة، ويقف الإنسان عارياً أمام معنى وجوده. وحين يُطرح السؤال بهذه الحدّة، تتحوّل الفلسفة إلى شكل من أشكال النجاة، محاولة لترميم العلاقة بين الذات والزمن، وبين الألم والكرامة، وبين الخسارة وإمكان المعنى.
يتحوّل سؤال الاستحقاق إلى سكين في الوعي حين يشعر الإنسان أن الحياة تطلب منه أكثر مما تمنحه، وأنها تفرض عليه شروطاً قاسية لقاء أشياء صغيرة: قليل من الطمأنينة، وقليل من الاعتراف، وقليل من الحب، وقليل من الأمان. عندئذٍ يصبح الوجود نفسه موضع مساءلة، لا لأن الإنسان يكره الحياة، بل لأنها تبدو كأنها لا تفسّر نفسها. فالوجع الأعمق لا يصنعه الألم وحده، بل يصنعه غياب المعنى الذي يبرّر الألم أو يضعه في سياق يمكن احتماله. ومن هنا يرتبط السؤال في عمقه بفكرة العدالة داخل الزمن: لماذا يحدث كل هذا؟ ولماذا تتوزع الخسارات بهذا الشكل؟ ولماذا ينجو من لا يستحق، ويتألم من لم يرتكب ذنباً سوى كونه إنساناً؟
في هذا الموضع، يظهر مفهوم العبث بوصفه أحد أكثر الأجوبة الفلسفية صدقاً. فالعبث عند ألبير كامو لا يعني أن الحياة فارغة، بل يعني وجود فجوة بين توق الإنسان إلى
ارسال الخبر الى: