ما لا تراه الأعين فن غامر للطبيعة الأولى
تقود الزائر من قاعة إلى أخرى إضاءةٌ لم تتوزع بعد على نهار وليل، وفيها ما يكفي لتكشف ما تيسّر من الروح السرية للطبيعة. هذه الإضاءة تعني شيئاً أبعد من الألفة وأبعد من نقيضها الوحشة. هي الميلاد الأول والتمرّن على حفظ الأصوات والصور البكر.
لا وجوه على الشاشات ولا مدن. جسيمات تتكاثف وتتفرق، وشجرة من نقاط ضوء يخرج من جذعها شريط أزرق يلتفّ في الهواء، هو نَفَسها وقد صار مرئياً. والصوت خرير وهبوب، يسمعه الزائر فيظن أن مؤلفه ماء وهواء، وأن أحداً لم يجلس ليكتبه.
لكن أحداً جلسَ فعلاً وكتب. هذا المُناخ صنعتْهُ المجموعة الفنية اللندنية مارشميلو ليزر فيست في معرض ما لا تراه الأعين، الذي افتُتح في الخامس من الشهر الجاري في متحف مجلس الإعلام بجامعة نورثويسترن في قطر، بالشراكة مع المركز الأسترالي للفنون البصرية والسينمائية (ACMI)، ويستمر حتى 21 يناير/ كانون الثاني 2027.
الفن الغامر
عشر مساحات تبدأ بقطرة ماء وتبلغ الثقب الأسود، وتتبدّل فيها الألوان من الأزرق في القاعة الأولى إلى الأخضر في الختام.
والمعرض ينتمي إلى ما يُعرف بـالفن الغامر، الذي يُدخل الزائر في العمل ولا يوقفه أمامه كما هي العادة أمام اللوحة والتمثال.
واشتهرت منه في العالم نماذج كثيرة من الأعمال، أبرزها معارض فان غوخ التي تحيط الزائر بلوحاته مكبّرة على الجدران، وقبل أربع سنوات شاهدنا في معرض فريدا كاهلو: سيرة غامرة الذي استضافه بيت بن جلمود في مشيرب إبان كأس العالم 2022.
جهاز عرض رقمي يحوّل جداراً إلى غابة وبحر متلاطم الأمواج
الفكرة قديمة، فالبانوراما في القرن التاسع عشر أحاطت المتفرج بلوحة دائرية احتاجت مبنى خاصاً وأشهراً من الرسم، أما اليوم فجهاز عرض رقمي يحوّل جداراً إلى غابة وبحر متلاطم الأمواج. بهذا صار انغمارنا أسرع تنفيذاً وأوسع انتشاراً.
على أن الرقمي في تلك المعارض كان يكبّر لوحات موجودة أو يروي سيرة معروفة، أما هنا فلا سيرة ولا لوحة سابقة، والصورة تُصنع لما لم يُرَ أصلاً، لشيء ما نسميه النسغ الذي يتخلّق ويتحرك بسرية، وأبعد
ارسال الخبر الى: