ترامبية تعيد تشكيل أميركا اللاتينية
تبدو أميركا اللاتينية وكأنها تدخل مرحلة إعادة اصطفاف سياسي عميقة، مع صعود متسارع لليمين بنسختيه التقليدية والمتشددة، من كولومبيا إلى الأرجنتين مروراً بالبيرو وتشيلي. هذا التحول المتسارع مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أعاد النقاش حول أمركة السياسة في القارة، حيث تمتزج وعود الأمن الصارم وتقليص الدولة بخطاب شعبوي ضد النخب، في مشهد يعكس تحوّلاً يتجاوز الانتخابات إلى بنية السياسة نفسها. لا يبدو هذا التحول مجرد موجة انتخابية عابرة، بل تعبيراً عن تصدّع في العلاقة بين المجتمع والدولة في القارة. تصاعد خطاب الأمن أولاً وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية يفتحان الباب أمام نماذج سياسية أكثر حدّة، تتوسع فيها صلاحيات السلطة التنفيذية على حساب الضوابط الديمقراطية، في مقابل مجتمعات تبحث عن حلول سريعة لأزمات متراكمة من الفساد والجريمة والتراجع الاقتصادي. وفي هذا، تجد الشعبوية اليمينية مساحة متزايدة لإعادة تعريف معنى الحكم نفسه.
في هذا السياق، تتبلور الترامبية اللاتينية بوصفها مزيجاً من الشعبوية ضد المؤسسات، والليبرالية الاقتصادية الحادة، والتشدد الأمني. من خافيير ميلي في الأرجنتين إلى تجربة نجيب بوكيلة في السلفادور، تتقاطع هذه النماذج عند مركزية إعادة تعريف الدولة بما هي جزء من الأزمة وليست حلاً لها. غير أن هذا الصعود لا يخلو من تناقضات، فبينما يلقى خطاب الأمن أولاً قبولاً واسعاً في مجتمعات تعاني من الجريمة، تشير تجارب المكسيك وكولومبيا وغيرهما إلى أن الحرب على الجريمة أدت في كثير من الحالات إلى نتائج عكسية: تصاعد العنف، تمدد الأجهزة الأمنية، وتراجع الضمانات الحقوقية. ولا يبدو اليمين اللاتيني الصاعد تكتلا إقليميا موحدا، بل فسيفساء من تجارب وطنية تتقاطع عند العداء للنخب والصرامة الأمنية والتقشف الاقتصادي، من دون مشروع إقليمي جامع أو رؤية تكاملية، ما يعمّق هشاشته السياسية.
وفي موازاة ذلك، ينعكس هذا التحول على السياسة الخارجية، خصوصاً تجاه القضية الفلسطينية، حيث برزت تشيلي وكولومبيا بمواقف أكثر تقدمية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يعكس إعادة تموضع سياسي يتجاوز الداخل إلى الخارج. وتتقاطع التحولات مع تنافس أميركي ــ صيني على النفوذ في القارة، حيث
ارسال الخبر الى: