من رمز إلى عدو ترامب يقسم اليمين الأوروبي ويوحد خصومه
92 مشاهدة
يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم على نحو مفارق ولافت عامل توحيد نادر لليسار والوسط الأوروبيين وفي الوقت نفسه قوة تفكيك وانقسام داخل معسكر اليمين الذي لطالما عد الأقرب إليه أيديولوجيا ولا يقتصر هذا التحول على مستوى الخطاب السياسي بل ينعكس بوضوح في استطلاعات الرأي من الدنمارك إلى كبرى دول الاتحاد الأوروبي حيث بات العامل الترامبي عنصرا مؤثرا في إعادة رسم موازين القوى الداخلية وبرز الصراع على غرينلاند محفزا لاصطفاف الرأي العام الأوروبي إلى مستوى اعتبار ترامب عدوا مع تنام ملحوظ في التأييد الشعبي لتعزيز الحضور العسكري الأوروبي في الجزيرة في الدنمارك أظهرت استطلاعات رأي أجرتها مؤسسة إيبينيون لصالح هيئة البث العام DR ونشرت اليوم الجمعة تقدما واضحا لحزبي الائتلاف الحاكم ولا سيما الحزب الاجتماعي الديمقراطي وحزب المعتدلين بعد تراجع سجلاه نهاية العام الماضي ويعزى هذا التحول على نطاق واسع إلى أزمة غرينلاند وتصريحات وتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وضعت الدنمارك فجأة في قلب مواجهة جيوسياسية دولية وبحسب الاستطلاعات حافظ يسار الوسط الاجتماعي الديمقراطي على الصدارة متجاوزا 21 من نيات التصويت مرتفعا من نحو 16 في الانتخابات البلدية الخريف الماضي في مقابل تراجع اليمين ويمين الوسط إذ انخفضت حصة الكتلة الزرقاء يمين من نحو 52 إلى 46 أي ما يعادل خسارة تقارب 14 مقعدا في برلمان يضم 179 مقعدا وسجلت خمسة أحزاب برجوازية تراجعا في شعبيتها فقد سجل اليمين المتشدد حزب الشعب الدنماركي اليميني أدنى مستويات التأييد له منذ أشهر متأثرا بأزمة غرينلاند التي وضعت رئيسه مورتن ميسرشميت في موقف حرج خصوصا بعد تسليط الضوء على زيارته السابقة إلى منتجع مارالاغو بالتزامن مع تنصيب دونالد ترامب ورغم دفاعه عن الزيارة أكد الحزب رفضه القاطع لنهج الإدارة الأميركية تجاه غرينلاند واصفا إياه بغير المقبول وشكل هذا التراجع ضربة خاصة لحزب فينسترا الليبرالي أحد أطراف الحكومة إذ كان الحزب الوحيد في الائتلاف الذي خسر دعما شعبيا ويعزو المتحدث باسمه يان إي يورغنسن ذلك إلى أن الدور الذي لعبه زعيم الحزب ووزير الدفاع ترولز لوند بولسن خلال أزمة غرينلاند جرى إلى حد كبير خلف الكواليس بخلاف الحضور العلني لرئيسة الحكومة ميتا فريدركسن ووزير الخارجية لارس لوكا راسموسن رغم أن لقاءات بولسن مع الأمين العام للناتو مارك روته ومساعيه لتعزيز الوجود العسكري الأوروبي في غرينلاند كان لها أثر مباشر في مسار الأزمة وكان يعول عليها لدفعه نحو رئاسة الحكومة المقبلة أوروبا على المسار نفسه تراجع الشعبويين إلى ذلك يظهر استطلاع أوروبي واسع أجرته صحيفة لو غران كونتيننت بالتعاون مع معهد كلاستر 17 للأبحاث وشمل نحو 7500 شخص في سبع دول أوروبية ونشر أول من أمس أن ترامب بات ينظر إليه من قبل ناخبي اليسار والوسط في ما يشبه الإجماع بوصفه عدوا لأوروبا وفي المقابل ينقسم ناخبو اليمين ولا سيما في الدول الاقتصادية الأوروبية الكبرى انقساما حادا حوله ففي فرنسا تنقسم قاعدة ناخبي حزب التجمع الوطني RN بزعامة مارين لوبان إلى ثلاثة اتجاهات شبه متساوية 25 يرون ترامب عدوا لأوروبا و18 يعتبرونه صديقا فيما يختار 56 موقفا رماديا لا يضعه في أي من الخانتين وفي ألمانيا ينقسم ناخبو حزب البديل من أجل ألمانيا المتشدد المصنف كمنظمة يمين متطرف في مايو أيار الماضي بين من يرون تحركات ترامب الدولية شرعية بنسبة بلغت 43 ومن يصفونها بأنها نهب لموارد العالم بنسبة بلغت 40 أما في إيطاليا فيواجه حزب إخوة إيطاليا بزعامة جورجيا ميلوني انقساما مشابها داخل قاعدته الانتخابية إذ يرى 23 من الناخبين أن ترامب صديق لأوروبا مقابل 17 يصفونه بالعدو بينما يتخذ 58 موقفا محايدا وعلى امتداد الدول الأوروبية السبع المشمولة في الاستطلاع يصف ناخبو أحزاب اليسار واليمين الوسط ترامب شبه بالإجماع بأنه عدو لأوروبا ففي فرنسا يرى ما بين 85 و95 من ناخبي أحزاب فرنسا الأبية والخضر والاشتراكيين وحزب الرئيس إيمانويل ماكرون أن ترامب يشكل تهديدا وينطبق هذا التوصيف على ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا حيث ينظر ناخبو اليسار والاعتدال في غالبيتهم الساحقة إلى ترامب باعتباره معاديا للديمقراطية وإمبرياليا يكشف هذا المشهد مفارقة سياسية لافتة إذ وبينما ينجح دونالد ترامب في توحيد الوسط واليسار الأوروبيين في معارضة شبه إجماعية يعمق في المقابل الانقسامات داخل القواعد الانتخابية للأحزاب الأقرب إليه أيديولوجيا وذلك يعكس تحولا جوهريا في علاقة ترامب باليمين الأوروبي إذ انتقل من كونه في ولايته الأولى رمزا لأجندة مشتركة معادية للهجرة وثقافة الصحوة ومشككة في النخب إلى عامل تفكك في ولايته الثانية بفعل سياسات شملت فرض تعريفات جمركية أضرت بصناعات أوروبية رئيسية والتشكيك المتكرر في دور حلف الناتو وصولا إلى التلويح باستخدام القوة ضد أراض تابعة لدول حليفة وتكشف بيانات الاستطلاع عن تحول لافت في الرأي العام الأوروبي إذ يعتبر 81 من المشاركين أن أي تدخل عسكري أميركي محتمل في غرينلاند سيعد هجوما على أوروبا ويؤيد 63 إرسال قوات أوروبية إلى الجزيرة فيما يرى 21 أن احتمال اندلاع حرب مباشرة بين أوروبا والولايات المتحدة في السنوات المقبلة بات واقعيا وهي نسبة تفوق تلك المتعلقة بالصين أو إيران وتمثل غرينلاند وفق النتائج لحظة فاصلة في الوعي السياسي الأوروبي فقد أعادت تصريحات ترامب المتكررة بشأن شراء الجزيرة أو السيطرة عليها بالقوة تشكيل صورة الولايات المتحدة لدى الرأي العام الأوروبي بما في ذلك داخل الأوساط المحافظة الأطلسية التقليدية ويبدو أن هذا التحول آخذ في الترسخ إذ أظهر الاستطلاع أن أكثر من نصف الناخبين في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا يعتبرون موقف أحزابهم من ترامب عاملا حاسما في خياراتهم الانتخابية المقبلة وهكذا بينما ينجح دونالد ترامب في توحيد خصومه الأوروبيين على اختلاف توجهاتهم يجد اليمين الأوروبي نفسه أمام معضلة غير مسبوقة رئيس أميركي كان ينظر إليه حليفا أيديولوجيا بات اليوم عبئا سياسيا ومصدر انقسام داخلي وربما نقطة تحول في إعادة رسم الخريطة السياسية للقارة الأوروبية