ترامب وثوابت السياسة الغربية
بعد شهور من الجعجعة والخطاب الشعبوي من جهة والديماغوجي من جهات أخرى، ها نحن نرى دونالد ترامب وإدارته المفصّلة على مقاسه تستسلم رويداً رويداً أمام ثوابت السياسة الغربية. ففي عالم ارتضاه الغرب بقيادة أميركا في العقود الثمانية الأخيرة، ليس من السهل أن تكسر سيادة الدول في المنظومة الأطلسية على ضفتيها بحدٍّ سواء، فضلاً عن تعقيدات الداخل الأميركي المؤسساتية والشعبية التي كانت وما زالت تقف بالمرصاد لظاهرة ترامب. هذا الرجل الذي لا هو بدهاء ريتشارد نيكسون في السياسات الخارجية، ولا هو بحزم جورج بوش الابن واستعلائه، ولا هو بحلم باراك أوباما وليبراليته. فبعد تكرير الأسطوانات المستهلكة عن فضل أميركا على الأوروبيين وتحريرهم من الألمان، وأنّ غرينلاند في الأساس ما هي إلّا أرض أميركية، ها نحن نجد الأمور تتجه نحو حل توافقي يُرضي المنظومة الغربية بأسرها تحت مظلة حلف شمال الأطلسي الناتو.
أي تحرك عسكري أو شبه عسكري من أميركا تجاه الجزيرة كان سيعني تصدّعاً في بنية الناتو، وخلق ثغرة استراتيجية تستفيد منها روسيا والصين على المدى البعيد، فهما تراقبان القطب الشمالي باعتباره ساحة مستقبلية لوجستياً وجيوسياسياً، بل كان سيعني انهيار هذا العالم الذي عرفناه بأسره، الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة.
لا تريد أميركا أن تدخل في صدام مع الأوروبيين بقيادة بريطانيا صديقتها الصدوقة منذ الحرب العالمية الأولى، وألمانيا بثقلها الاقتصادي والاستراتيجي، وفرنسا التي صرّح المتحدث باسم خارجيتها باسكال كونفافرو قائلاً: إذا ما تعرضت سيادتنا للخطر فإننا نريد أن نكون حازمين ونُظهر هذا الحزم، وها نحن وصلنا إلى هذه المرحلة.
كذلك، وفي السياق نفسه، صرّحت الألمانية أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية بأنّ غرينلاند بلد مستقل، وكأنّه وحدهم لهم الحق في تقرير مستقبلهم السياسي. يأتي كلام الصقر الجمهوري المعروف وأحد عرّابي السياسة الأميركية في العقد الأول من قرننا الحالي، وكذلك المساهم في بعض سياسات ترامب في إدارته الأولى، جون بولتون، في سياق يخدم كل الناتو بقيادة أميركا ولا يُضعف الحلف أمام المتربصين في النصف الآخر من العالم، تماشياً
ارسال الخبر الى: