تراجيديا سالي الجباس وصراع الهويات الممزقة

26 مشاهدة

حين تأمّل الكاتب الفرنسي إميل زولا في رواياته، في طبيعة الوحش البشري، لم يكن يعتقد أنّ الشرّ ينبع من فراغ، بل كان يراه نتيجة حتمية لتصادم مُروّع بين جينات موروثة، وضغوط بيئية طاحنة، وانكسار مُفاجئ في التوازنات النفسية للإنسان. في عالم زولا، لا يوجد مجرم بالفطرة ولا قديس بالكامل؛ هناك فقط كائنات بشرية تحاول الحفاظ على توازنها فوق حبل مشدود، حتى تأتي لحظة يختلّ فيها هذا التوازن تحت وطأة ثقل الحياة وتحدّياتها.

واليوم، ونحن نقف أمام التراجيديا التي أحاطت باسم المحامية الحقوقية والناشطة النسوية، سالي الجباس، نجد أنفسنا في حضرة رواية واقعية، كأنّ زولا هو من خطّ مساراتها المُتقاطعة؛ قصة امرأة عاشت في صراع دائم بين واجهة حديدية من القوّة والنضال، وبين أعماق غائرة تسكنها الشقوق والندوب.

سالي الجبّاس لم تكن مجرّد عابرة في المجتمع المصري، بل كانت صوتاً جهوراً يدافع عن حقوق النساء والأطفال، محامية صلبة في قاعات المحاكم، ووجهاً مألوفاً في الدوائر الحقوقية التي تنادي بالكرامة والعدالة. هذا القناع الأخلاقي والمهني الرفيع يمثل في فلسفة زولا الإنسان المُتمدّن الذي يحاول قمع دوافعه البدائية عبر الانخراط في قضايا كبرى. لكن خلف هذا البريق، كانت هناك حياة أخرى تُنسج في الظلام؛ حياة يرويها المقرّبون عنها بحزن ودهشة، تتحدّث عن تجارب زواج فاشلة تركت آثارها في الروح، وأمومة مُحمّلة بالتحديات والمسؤوليات الثقيلة، ووصم اجتماعي وعائلي لم يرحمها رغم مكانتها. هنا، يبدأ الوحش الذي تحدّث عنه زولا في التخلّق، ليس ككائن شرير بالمعنى التقليدي، بل كـردة فعل نفسية مروّعة تجاه حصار لا ينتهي.

المرأة التي تدافع عن حقوق النساء كانت هي نفسها، في نظر عائلتها أو مجتمعها الضيّق، ربُما تُعامل كـوصمة بسبب طلاقها أو تمرّدها

إنّ الادعاءات التي وجّهتها النيابة العامة لسالي الجباس بقتل والدتها وتقطيع جثمانها، والتي ترافقت مع اعترافات منسوبة إليها، تضعنا أمام فجوة سحيقة تجعل العقل يتجمّد. كيف يمكن لتلك اليد التي صاغت المذكّرات القانونية لحماية الضعفاء أن تحمل، وفقاً للاتهامات، أداة لتمزيق الجسد الذي منحها الحياة؟

في منهج

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح