مصر تختبر ثقة صندوق النقد الدولي برفع أسعار الوقود
89 مشاهدة
في خطوة مفاجئة تحمل دلالات اقتصادية وسياسية عميقة رفعت الحكومة المصرية صباح الجمعة الماضي أسعار الوقود بنسب تراوحت بين جنيهين وثلاثة جنيهات للتر في وقت حساس يسبق مباشرة جولة المفاوضات الحاسمة بين القاهرة وصندوق النقد الدولي في واشنطن القرار الذي شمل البنزين والسولار والغاز الطبيعي يأتي في إطار آلية التسعير التلقائي للوقود لكنه ينظر إليه هذه المرة رسالة إصلاحية مباشرة إلى الصندوق مفادها بأن القاهرة مستعدة لاتخاذ قرارات صعبة مقابل استعادة الثقة الدولية والحصول على الشريحتين المتبقيتين من القرض البالغ 2 5 مليار يورو وبحسب القرار ارتفع سعر لتر بنزين 95 إلى 21 جنيها وبنزين 92 إلى 19 25 جنيها وبنزين 80 إلى 17 75 جنيها فيما زاد سعر السولار إلى 17 5 جنيها وارتفع سعر غاز تموين السيارات إلى عشرة جنيهات للمتر المكعب وتعتبر الخطوة بحسب اقتصاديين اختبارا حقيقيا لثقة صندوق النقد في قدرة مصر على المضي قدما في تنفيذ التزاماتها المالية دون تراجع ورغم أن الحكومة أكدت تثبيت الأسعار لمدة عام لتقليل أثر القرار على المواطنين فإن مراقبين حذروا من انعكاس فوري على معدلات التضخم خاصة أن الزيادة تأتي في وقت يعاني فيه الشارع من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل الدخول الحقيقية ومع ذلك يرى فريق آخر من الخبراء أن الإجراء سيعزز موقف القاهرة التفاوضي في واشنطن موجة غلاء جديدة شهدت الأسواق المصرية موجة ارتفاعات جديدة في أسعار السلع الغذائية والأساسية بعد يومين فقط من قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات بنسبة بلغت نحو 13 للمحروقات و15 للنقل مع تعميم أسعار جديدة لنقل الركاب والشحن البري وامتدت الزيادة إلى الخدمات الطبية إذ رفع أطباء أسعار الكشف بنسبة 25 دفعة واحدة في العاصمة والمحافظات لتبدأ من 800 إلى 1250 جنيها للأستاذ الجامعي و600 جنيه للاستشاري و500 جنيه للأخصائي مع زيادات في أسعار خدمات المحامين والمكاتب الاستشارية ويرى الخبير الاقتصادي محمد البنا أن الحكومة تكرر المسار السهل عبر تحميل المواطنين أعباء الإصلاح بدلا من إعادة هيكلة الاقتصاد وتحفيز الإنتاج الصناعي والزراعي مؤكدا أن هذا النهج يضع يد الدولة في جيب المواطن من خلال رفع أسعار السلع والخدمات العامة وتجاهلت الحكومة بحسب مصادر في اتحاد الغرف الصناعية مطالب تأجيل الزيادة لحين توفير تمويل لدعم المشروعات الصناعية كثيفة الطاقة وإنقاذ المشروعات المتوسطة والصغيرة المتضررة في المقابل قررت شعبة النقل البري رفع أسعار نقل البضائع بنسبة 6 8 وأجرة المواصلات العامة بما لا يقل عن 10 ما انعكس على أسعار الخضروات والحبوب التي ارتفعت بين 10 15 مطلع الأسبوع وقال صدام أبو حسين نقيب الفلاحين إن ارتفاع تكاليف النقل والري والأسمدة سيضاعف أعباء المزارعين في موسم الزراعات الشتوية وقد يدفع بعضهم إلى تقليص المساحات المنزرعة أو الاقتراض بفوائد مرتفعة مؤكدا أن تكلفة الفدان الزراعي سترتفع بين 10 15 هذا الأسبوع وأشار الخبير الاقتصادي محمد فؤاد إلى أن صناعات الأسمنت والحديد والسيراميك ستكون الأكثر تضررا من زيادة أسعار المحروقات داعيا إلى خطة عاجلة لتعويض الفئات المتأثرة لتجنب موجة تضخمية شاملة تمتد إلى الغذاء والدواء وترى الحكومة أن قرار رفع أسعار الوقود ضروري لتقليص عجز الموازنة بنحو 75 مليار جنيه وضمان استدامة دعم السلع التموينية مع التعويل على برامج الحماية الاجتماعية مثل تكافل وكرامة لامتصاص الصدمة في المقابل أكد وزير التموين الأسبق جودة عبد الخالق أن الزيادة جاءت انصياعا لشروط صندوق النقد الدولي واعتبر رفع الدعم في ظل الغلاء خطأ كبيرا يفاقم معاناة الطبقة المتوسطة ويدفع معدلات الفقر للصعود مفاوضات مهمة تشهد العاصمة الأميركية واشنطن خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي مفاوضات مهمة بين الحكومة المصرية ومسؤولي الصندوق لحسم مصير المرحلتين الخامسة والسادسة من برنامج القرض اللتين جرى دمجهما في مرحلة واحدة وتشمل هذه المرحلة صرف شريحتين من القرض الذي يتجاوز إجماليه 2 5 مليار يورو في إطار الاتفاق القائم بين الطرفين تأتي هذه المفاوضات وسط حالة من الغموض إذ تسعى القاهرة لإقناع الصندوق بتحسن المؤشرات الاقتصادية وفي مقدمتها تراجع معدلات التضخم وارتفاع معدلات النمو واستقرار سعر صرف الجنيه أمام الدولار وزيادة الاحتياطي النقدي الذي اقترب من 50 مليار دولار بينما ينتظر مسؤولو الصندوق خطوات إصلاحية عملية وملموسة تتجاوز الأرقام والتصريحات وخلال جلسات المفاوضات المقبلة ستسعى القاهرة لإقناع صندوق النقد الدولي بما إذا كانت تلك المؤشرات تمثل وعودا مستقبلية أم إصلاحات واقعية طاولت البنية التحتية والمشروعات السكنية الضخمة وزيادة حجم الاستثمارات الأجنبية وغيرها من المؤشرات الإيجابية ومن المتوقع أن تهيمن على الاجتماعات مجموعة من الملفات العالقة أبرزها إصرار الصندوق على تسريع الخصخصة وزيادة دور القطاع الخاص باعتبارهما شرطين للإصلاح الحقيقي في مقابل مطالبة الحكومة المصرية بـمرونة زمنية والتركيز على إصلاحات بديلة مثل رفع أسعار الطاقة وتقليص الدعم وبحسب مصادر رسمية تسود المفاوضات أجواء إيجابية في ظل تصريحات مديرة الصندوق كريستالينا جورجيفا التي أكدت تفهم الصندوق لتأجيل برنامج الطروحات الحكومية حتى منتصف عام 2026 كما أدلت بتصريح مثير للجدل أكدت فيه أن الصندوق لم يطلب من مصر تحريك أسعار المحروقات في الوقت الحالي وتحاول القاهرة تعزيز الأجواء الإيجابية المحيطة بالمفاوضات مستفيدة من قيام وكالتي ستاندرد آند بورز وفيتش برفع التصنيف الائتماني لمصر من B إلى B مع تثبيت النظرة المستقبلية عند مستقرة وذلك للمرة الأولى منذ سبع سنوات واعتبر وزير المالية المصري أحمد كجوك أن هذه الخطوة تعكس الثقة المتزايدة في قوة الاقتصاد المصري واستدامة مسار الإصلاحات الجارية وأوضح كجوك في تصريحات صحافية أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي نفذت خلال السنوات الأخيرة والنتائج الإيجابية المتحققة منها أصبحت محل تقدير من المستثمرين والمؤسسات الدولية والأسواق العالمية وقالت وكالة ستاندرد آند بورز في تقريرها الصادر قبل أيام إن قرارها جاء نتيجة الإصلاحات التي أجرتها الحكومة خلال الثمانية عشر شهرا الماضية والتحول إلى نظام سعر الصرف المرن ما أدى إلى ارتفاع معدلات النمو وزيادة تدفقات السياحة والتحويلات المالية وتحسن صافي التدفقات الخارجية وهو ما يعزز الوضع الخارجي للاقتصاد المصري تفاؤل بالنجاح وفي السياق ذاته وصف الخبير الاقتصادي إبراهيم الشواربي الأجواء السائدة بين مصر وصندوق النقد الدولي بأنها نادرة وتشير إلى احتمال نجاح المفاوضات الجارية وقال في حديثه لـالعربي الجديد إن تصريحات جورجيفا التي أبدت تفهما لتأجيل برنامج الطروحات الحكومية وأكدت أن الصندوق لم يطالب مصر برفع أسعار المحروقات تعكس تحسن الأوضاع الاقتصادية في البلاد وأضاف الشواربي أن هذا التحسن ظهر بوضوح من خلال مؤشرات البنك المركزي المصري التي أظهرت تراجع معدلات التضخم وتصاعد معدلات النمو وارتفاع الاحتياطي النقدي وهو ما أكدته كذلك وكالات التصنيف الائتماني ما يدل على أن الاقتصاد المصري تجاوز الفترة الحرجة التي عانى منها لسنوات وأشار إلى أن لدى الحكومة أوراق قوة عدة من بينها الاستقرار الاقتصادي وثبات سعر الصرف وارتفاع الاحتياطي النقدي وتنامي الاستثمارات الأجنبية ما يجعل الموقف المصري قويا خلال التفاوض مع الصندوق ويرجح نجاح مصر في الحصول على الشريحتين المقدرتين بأكثر من 2 5 مليار دولار وهو ما سينعش الأسواق ويعزز مؤشرات استقرار الاقتصاد وأوضح أن الحكومة المصرية سترد على مطالب الصندوق الخاصة بتعزيز دور القطاع الخاص عبر التركيز على الشراكات الاستثمارية مثل الشراكة بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وشركة أوراسكوم في مشروع أبراج زد وكذلك الشراكة في مشروع صن كابيتال مثالا على توجه الدولة نحو تمكين القطاع الخاص في التنمية انفراجة مستندة إلى السياسة وفي الإطار نفسه رأى الخبير الاقتصادي هاني أبو الفتوح أن العلاقة بين مصر وصندوق النقد ستشهد انفراجة غير مسبوقة خلال المرحلة المقبلة مشيرا إلى أن هذه الانفراجة ذات بعد سياسي في المقام الأول نتيجة الدور الإيجابي الذي قامت به مصر بالتعاون مع عدد من الوسطاء في جهود وقف الحرب في قطاع غزة وهو الموقف الذي أسهم في تليين مواقف الصندوق تجاه القضايا العالقة مع القاهرة وأشار أبو الفتوح إلى أن المؤشرات الاقتصادية التي أعلنتها مصر مؤخرا تستند إلى أسس واضحة وواقع اقتصادي مستقر عززه تحسن التصنيف الائتماني إلى درجة أفضل ما يعكس استقرار الاقتصاد ويمنح مصر أوراق قوة تفاوضية أمام الصندوق الذي يستند بدوره إلى مؤشرات أخرى لتحديد موقفه من الاقتصاد المصري وأوضح أن تلك المؤشرات الإيجابية توصل رسالة اطمئنان للصندوق والمستثمرين بأن المناخ الاقتصادي المصري محفز لجذب الاستثمارات وتؤكد أن الاقتصاد يسير في الطريق الصحيح وأضاف أن الفشل في التوصل إلى اتفاق مع الصندوق لا يبدو خيارا مطروحا إذ إن تداعياته لن تساعد الحكومة على جذب الاستثمارات وقد تؤدي إلى خروج الأموال الساخنة وهو سيناريو مستبعد بشدة ولم يستبعد الخبير الاقتصادي أن تقدم مصر خلال المرحلة المقبلة على طرح أكثر من شركتين من الشركات العامة أو عدد من أسهمها للاكتتاب العام لمواجهة انتقادات الصندوق في هذا الملف ما يزيل عقبة كبيرة أمام الاتفاق النهائي وشدد أبو الفتوح على ضرورة أن تستغل الحكومة المصرية تفهم الصندوق لتأخر برنامج الطروحات عبر تحقيق انفراجة حقيقية في هذا المجال موضحا في حديثه لـالعربي الجديد أن من شأن ذلك تعزيز فرص الحصول على الشريحتين الجديدتين وزيادة الثقة في الاقتصاد المصري وتشجيع تدفقات الاستثمارات الأجنبية مكاسب واضحة أما الخبير الاقتصادي والمصرفي هاني عادل فقال إن الاقتصاد المصري حقق في الفترة الماضية العديد من المكاسب منها زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر واستقرار قيمة الجنيه وانخفاض معدلات التضخم وهو ما يعكس نجاح السياسات الاقتصادية المصرية في مواجهة التحديات ويدعم الموقف المصري أمام مراجعات صندوق النقد وأضاف أن مصر استطاعت الخروج من عنق الزجاجة باتخاذها تدابير اقتصادية قوية مكنتها من التعامل مع ملف التضخم بحكمة وهو ما انعكس إيجابا على معدلاته التي بدأت تتراجع شهريا بانتظام كما ارتفع حجم السيولة الدولارية في مصر وهو ما يظهر بوضوح في ارتفاع الاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي التي سجلت أعلى مستوياتها تاريخيا عند 49 5 مليار دولار وفقا لأحدث بيان صادر عن البنك المركزي المصري وعزا هاني عادل ارتفاع السيولة الدولارية إلى زيادة عوائد السياحة وارتفاع تحويلات العاملين في الخارج وصفقات الاستثمار الأجنبي المباشر مثل الاستثمارات القطرية في الساحل الشمالي والاستثمارات الإماراتية في البحر الأحمر التي تقدر بنحو 12 مليار دولار إجمالا ولفت إلى أن مضي الحكومة قدما في التخارج من بعض الاستثمارات وطرحها للقطاع الخاص يؤكد حرص الدولة على تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي بقوة للحفاظ على ما تحقق من مكتسبات والتحول من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الاستفادة من نتائجه في التنمية وخلص في حديثه لـالعربي الجديد إلى القول إن مصر في مراجعتها الحالية مع الصندوق تمتلك من العوامل الإيجابية ما يدعم ملفها التفاوضي ويؤكد التزامها الكامل ببرنامج الإصلاح المتفق عليه ملفات الحوكمة والدعم من جانبه رجح أستاذ الاقتصاد والتمويل في الأكاديمية العربية المصرفية محمد عبد الهادي أن تكون جولة المفاوضات القادمة إيجابية خاصة مع ارتفاع الصادرات المصرية واحتمالات انتعاش إيرادات قناة السويس وتعافي قطاع السياحة وزيادة تحويلات المصريين في الخارج وهي كلها أوراق قوة بيد القاهرة خلال التفاوض وأوضح عبد الهادي أن الصندوق قد يركز خلال المفاوضات على قضايا الحوكمة ومكافحة الفساد والطروحات الحكومية وتعزيز دور القطاع الخاص بوصفه قاطرة للاقتصاد وهي ملفات يجب على الحكومة المصرية الرد عليها بأجوبة واقعية لا وعود فحسب كما أشار إلى أن الحكومة ستسعى لتوظيف تراجع مخصصات الدعم من 154 مليار جنيه إلى 75 مليار جنيه لتأكيد جديتها في الإصلاح الاقتصادي فضلا عن التزام مصر بدفع أقساط وفوائد الديون في مواعيدها ما يعكس استقرارا اقتصاديا وسعيا لجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية واستبعد عبد الهادي بشدة فشل الجولة القادمة من المفاوضات مشيرا في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن العامل السياسي سيحضر بقوة في ظل الدور المصري في جهود وقف الحرب في غزة وهي ورقة دعم دولية يمكن لمصر استثمارها خلال المفاوضات مع الصندوق مؤكدا أن هذا العامل السياسي يمتلك تأثيرا كبيرا في ترجيح كفة القاهرة خلال هذه المرحلة