تجويع غزة ممنهجا كيف يصنع الاحتلال المجاعة ومن يشاركه الجريمة
70 مشاهدة
| د. أميرة فؤاد النحال
لم يعد ما يجري في غزة مجرد حصار طويل الأمد أو أزمة إنسانية طارئة، بل هو انتقال فجّ من نمط العقوبات الجماعية إلى سياسة الإبادة بالبطون الخاوية، فالاحتلال لا يمارس التجويع كأداة ضغط، بل كجزء من هندسة الفناء الهادئ، ضمن منظومة متكاملة تستهدف كسر روح الحياة في القطاع، وتجريده من قدرة الصمود والمقاومة، والمأساة لا تقف عند حدود الجريمة الصهيونية، بل تتسع لتشمل شبكة كاملة من التواطؤات الإقليمية والدولية التي تُعيد إنتاج التجويع بصيغ ناعمة، وتحول المساعدات إلى أداة ضبط، والإنقاذ إلى مسرحية إعلامية.
تُمارس المجاعة على غزة بوصفها أداة إخماد سياسي، وتُدار برعاية دولية على نحو يجعل المجتمع الدولي –بصمته أو تبريره– شريكاً مباشراً في الجريمة، كما تتحمل دول الجوار خاصة تلك التي تتحكم بالمعابر والمنافذ، نصيبها من وزر الجوع، إما بالفعل أو بالصمت، في وقتٍ تتهاوى فيه القيم الأخلاقية، ويُترك شعبٌ بأكمله ليصارع الموت في معركة طاحنة مع الجوع، يأتي هذا المقال مُحاولاً تفكيك بنية الجريمة المركّبة، ويعيد ترتيب الأدوار على مسرح المجاعة الممنهجة في غزة، حيث لم تعد الأسئلة تقتصر على: من يجوع؟ بل: من يُجَوِّع؟ وكيف؟ ولماذا؟ ومن يقف على قارعة الموت يتأمل بصمت؟
لم تعد المجاعة في غزة عرضاً جانبيّاً لحرب، ولا نتيجة عارضة لحصار، إنما تحوّلت إلى سلاح استراتيجي في يد الاحتلال، يمارسه بوعي كامل وبنَفَسٍ طويل ضمن ما يمكن تسميته بمشروع الإنهاك الحيوي، حيث يُستبدل القتل بالصواريخ بقتل الغذاء، ويُدار الموت بصمت عبر تفكيك البنية الحيوية للحياة، فمنذ ما يزيد عن تسعة أشهر، اعتمد الاحتلال منظومة مركّبة تقوم على التجويع بوصفه عقيدة أمنية، لا مجرد أداة ضغط، فالمجازر الميدانية في غزة يقابلها مجازر خفية تُنفَّذ على موائد الناس، حيث تم إغلاق المسالك الغذائية بالكامل، وتدمير سلاسل الإمداد المدني، وتجريم الطحين، وقصف عربات التوزيع، واستهداف البيوت الزراعية ومخازن المؤن، كل ذلك ضمن هندسة دقيقة لخفض السقف الغذائي في القطاع إلى ما دون خط الحياة.
لقد استعلى الاحتلال بخطط الحصار
ارسال الخبر الى: