هل تجلب معارف آخر العمر الأحزان
تختلط الحروب عادةً بالمغامرين والخونة والقتلة والعملاء، وتصير الجغرافيا مائدةً هناك بعيدة للطامعين؛ حتى منذ أزمنة بعيدة، تراهم في الذاكرة كغيوم تتحرّك بأسلحتها ورغباتها من بلد إلى بلد، ومن ميناء إلى بحر، ومن جبل إلى أرض مزروعة. في ملامحهم شهية الغزو والعيون مليئة بالمطامع، حتى لأشجار الحدائق والنخيل؛ فمن بعيدٍ جاء الإسكندر بجيوشه، وكأن الجغرافيا تناديه.
حدّادون فقط، ومن يصنع السروج للخيل والسهام والخوذات والخناجر والسيوف، وبعض خرائط بدائية مفرودة فوق خيول القادة أو مطوية في الجيوب أو داخل طيّات الجلود؛ فمن ناداه من هناك غير الشهيّة للجغرافيا وتصوّره عن الناس الأقلّ شأناً أو همّةً أو حضارة، ومحبّته للغلبة باسم الآلهة.
لماذا في آخر العمر تحصحص معارفنا بالأحزان التي كانت مؤجّلةً في دواخلنا كي نرى العالم على حقيقته بعيداً من تلك الغشاوة الرومانسية أو مراوغة الأدب ودلالاته المتعدّدة، ظنّاً منّا أن العالم قد بات في أفضل حالاته بعد كمّ الفلاسفة والأنبياء والمصلحين الذين عبروا تلك الأرض وتركوا ما تركوا لنا.
رحل الإسكندر وقد ترك الأحلام لبقية جيوشه، وتشاغلت بالضغينة أثينا وأسبرطة حتى في ظلّ وجود الفلاسفة، حتى إن تجرّع سقراط السم أو نام بعضهم فوق أكوام القمامة وقد فضّل رؤية الشمس على هدايا الإسكندر. وملأت الكتب رفوف المكتبات، وتحيّر بورخيس في متاهاتها واشتقاقاتها، وكثرت الموسوعات والمخطوطات حتى سال حبرها في نهر دجلة أو الفرات أو الليطاني، ولكن بالدم. هل عاد الإسكندر إلى قريته أم ما زال هناك يحبو أحفاده فوق حاملات الطائرات؟ كي يقول للعالم إنه لا جديد أبداً تحت شمس العالم، سوى أن المغامرين يزدادون أدباً ومعرفةً وشيباً وقسوةً وحصافةً ومكراً، والسهم يزداد سرعةً فيصير صاروخاً عابراً للقارات.
ما زال لمائدة الجغرافيا وشهيتها غلبة الغزو، وحتى القمر بات مطمعاً، وقد يصير سكناً يتقاتل عليه الأثرياء والأقوياء معاً بعد سنوات قليلة. فاحجز، من الآن، لقبيلتك مقاطعة هناك، وهات مخزونك من المحاصيل إلى هناك، حتى إن انهار كوكب الأرض أو امتلأت أنهاره بالدماء والكتب التي ألفناها، فهي دائماً مجلبة للأحزان والفقر
ارسال الخبر الى: