تجاهل السياسة
تظهر السطحية التي تتحلى بها الثقافة أحياناً، في الكسل عند مقاربة الحراك الثقافي ومحاولة تفسيره، فالروايات التي صدرت في زمن الربيع العربي، وكانت تحت تأثيره، بصرف النظر عن سويتها ومستواها. اتهمها أعداؤها، بأنها روايات طائفية، ومن قال عنها إنها تسهم بنزيف الدم السوري، وإن ما يجري ليس ثورة وإنما زلزال، وحرب ضد الإرهاب. ووصفت بالروايات الأيديولوجية، بعدما بات الإرهاب أيديولوجية دموية.
كما استُخدمت الحجة التي تبدو بريئة والمطروحة دائماً، كنصيحة أدبية متداولة، وهي أن على الأدب الابتعاد عن السياسة، فهي ليست شأنه، بل شأن الدولة والسياسيين، وأغفلت أن الزمن السوري، زمن استبداد، تحكّم حتى بالأنفاس. لم ير الأديب غير الطغيان، فلم يسمح له برفاهية الكتابة عن الحياة السعيدة، ولا تلك السلسلة التي لا تنتهي من شؤون الحياة التي شاغلها الإنسان.
حين يكون الاستبداد مجرد نظام حكم، يستطيع الكاتب ألا يلتفت إليه، ويكتب عن الحب والملل، والوحدة، والغيرة، والشيخوخة، والغثيان، والوجود، والعدم... لكن حين يتحول إلى مناخ شامل ضاغط ليلاً نهاراً، يصبح من الصعب العثور على منطقة في الحياة لم تطلها سلطته، حتى أن الأشياء التي تبدو أبعد ما تكون عن السياسة تصبح رهينة لها.
في الواقع، لا يختار الكاتب السياسة موضوعاً للكتابة، بل السياسة اختارت أن تكون شرطاً للحياة التي يكتب عنها. طالما أن السعادة نفسها تصبح سؤالاً سياسياً. من يستطيع أن يكون سعيداً؟ وبأي ثمن؟ وهل السعادة الفردية ممكنة في مجتمع يعيش في ظل الخوف؟ حتى الملل لا يعود مجرد ملل؛ إذ يكون وراءه انسداد الحياة، بينما الحب يمسه الرعب، خشية وقوعه تحت المراقبة، وقد يتعرض الحبيب للاعتقال والاختفاء كما تصبح اللامبالاة غير بريئة؛ ووسيلة للبقاء.
إن الكاتب الذي يريد أن يكتب عن رجل وحيد يحتسي القهوة، يعرف أن المقهى مراقب؛ والفتاة تخشى الذهاب إلى موعد عاطفي لئلا يقبض عليها؛ لأن المواعيد تصبح مشبوهة، والشخص الذي يريد أن يغير مهنته، قد يتردد لأن الأعمال مرتبطة بمافيات السلطة؛ والكاتب الذي يريد أن يكتب رواية، يدرك أن نشرها قد
ارسال الخبر الى: