حين تتهاوى العواصم التي بنيت من خطاب
ليست كلّ العواصم المُحصّنة حصينة، ولا كلّ الجدران المرتفعة صلبة. فالتاريخ، إن قرأته كما هو، لا كما يُراد له أن يُروى، يُريك عواصم كثيرة شُيّدت بالكلمات، وزُيّنت بالشعارات، وخُيّل لأهلها أنها باقية ما بقي الهتاف. لكن العواصم التي تبني مجدها من خطب منبرية، وتستعيض عن الأمن بالاستعراض، وعن العمق بالدعاية، لا تحتاج إلى غزو شامل لتنهار؛ يكفيها لحظة صدق واحدة لتتعرّى. فالسقوط لا يبدأ بالصواريخ، بل حين تغيب الحقيقة ويستفحل الوهم.
هذا ما كشفت عنه الضربة الإسرائيلية الأخيرة في عمق إيران. لم تكن مفاجأة عسكرية بقدر ما كانت لحظة انكشاف رمزي لعاصمة بُنيت صورتها على خطاب الممانعة وشعارات المظلومية. لكنها في أوّل اختبار مباشر بدت مكشوفة من فوق، مثقوبة من الداخل، باهتة في الرد، مربكة في السرد. لم تسقط طهران تحت الصواريخ، بل قبلها، حين راهنت على صورة القوّة بدل حقيقتها، ورفعت شعارات لا تغادر نشرات الأخبار، واستبدلت الجاهزية بالهتاف.
ولم يكن ما جرى مجرّد اختراق للأجواء، بل تجلّى في قدرة واضحة على الضرب من السماء، والتحرّك عبر الأرض، وتفجير المنشآت من الداخل. الاغتيالات الدقيقة، والمسيّرات التي انطلقت من عمق إيران، والتفجيرات الغامضة في منشآت نووية حسّاسة، كلّها رسائل بأنّ الخطر ليس خارجيًّا فحسب، بل يسكن الداخل ذاته. وهذا ما يجعل السقوط أشدّ وقعًا؛ لأن الدولة لم تُؤت من عدو قوي فقط، بل من تآكلٍ لم تعد تسيطر عليه، ومن هشاشةٍ نخرت بنيانها من داخلها.
لا يبدأ السقوط بالصواريخ، بل حين تغيب الحقيقة ويستفحل الوهم
وليست هذه القصة جديدة على التاريخ. فبغداد التي كانت حاضرة الدنيا وعاصمة الخلافة العباسية لنحو خمسة قرون من الازدهار، لم تسقط فجأة بسيوف المغول، بل انهارت أولًا من داخلها. في أواخر عهد العباسيين، حين غلب الترف والقصور، واستُبدلت السياسة بالجدل، والعدل بالمحاباة، تحوّلت بغداد من دولة إلى خطاب، ومن مركز للخلافة إلى ساحة صراع داخلي. وعندما زحف هولاكو عام 1258م، لم يجد أمامه دولة تقاتل، بل مدينة مُنهكة. في أسبوعين، انهار كلّ شيء، وسُوّيت العاصمة
ارسال الخبر الى: