ما تبقى من البلاد كان امرأة
بعد عام على مجزرة السويداء، لا أستطيع أن أستعيد الأيّام كما تستعيدها نشرات الأخبار. الأخبار تحفظ عدد القتلى، أمّا الذاكرة فتحفظ ما لا يُحصى؛ ارتجافة يد، ورغيفاً تقاسمه غرباء، وموسيقى ارتفعت في بيت صغير لتُقاوم الرصاص، وعصفوراً ظلّ حياً لأنّ امرأة قرّرت ألّا تتركه يجوع.
حين أعود إلى ذلك التموز، لا أتذكّر السلاح أولاً، على الرغم من أنّ رجال الجبل وقفوا ببنادقهم وقلوبهم يدافعون عن أرضهم وأهلهم. أتذكّر جبهة أخرى، أقلّ ضجيجاً وأكثر خفاءً، كانت تدافع عن شيء لا تستطيع البنادق وحدها أن تحميه: الإنسان.
كانت إحدى صديقاتي تعبر كلّ يوم إلى بيت جارتها، فيما القصف لا يهدأ، لتُطعم عصفوراً بقي وحيداً في قفصه. كانت تمدّ إليه الطعام بقطعة خشب طويلة ثم تعود. في البداية ظننت أنّها تحاول إنقاذ طائر صغير، لكنّني بعد عام أفهم أنّها كانت تنقذ شيئاً أكبر بكثير. كانت تنقذ قدرتها على الرحمة. ففي الحروب لا يبدأ الخراب حين تسقط القذيفة الأولى، بل حين يتوقّف الإنسان عن الاكتراث بحياة كائن أضعف منه. ذلك العصفور لم يكن عصفوراً فقط؛ كان آخر اختبار لإنسانيتنا.
في الحروب لا يبدأ الخراب حين تسقط القذيفة الأولى، بل حين يتوقّف الإنسان عن الاكتراث بحياة كائن أضعف منه
وصديقة أخرى بقيت وحدها مع ابنتها الشابة المُصابة بالتوحّد. اختبأتا داخل خزائن المطبخ، وكانت ترفع صوت الموسيقى حتى لا تصل إلى ابنتها أصوات الرصاص والاقتحام. وحين سمعت بما تعرّضت له نساء أخريات، أخذت من أحد شبابنا قنبلة، وجلست تعلّم ابنتها كيف تنزع مسمارها إذا اقتحم أحد البيت.
كلّما تذكرت تلك الصورة، شعرت أنّ اللغة تصبح أصغر منها. لم تكن أمّاً تلقن ابنتها طريق الموت، بل أمّاً دفعتها قسوة العالم إلى أن تبحث عن آخر وسيلة تتخيّل أنّها تستطيع بها أن تحمي ابنتها. في ذلك المطبخ لم تكن امرأتان تختبئان فقط، بل كانت الأمومة نفسها تقف في مواجهة خوف لا تعرف له اسماً.
ثم أفكّر بأماني. امرأة أربعينية فقدت أخاها، ولم تجد وقتاً للحزن، لأنّ الحزن نفسه
ارسال الخبر الى: