تاريخ الدموع والبكاء
ثمّة شعوب تكتب تاريخها بالحروب، وشعوب تكتبه بالمعاهدات، أما نحن، فأظنّ أنّنا كتبناه بالدموع. ولو جلس مؤرّخ حقيقي، لا ليُحصي عدد الملوك والمعارك، بل ليُحصي عدد الأمهات اللواتي بكين في هذه المنطقة من العالم، لاكتشف أنّ الشرق كلّه عبارة عن نهر طويل من الحزن، يبدأ من سومر ولا ينتهي عند السويداء.
الدموع ليست تفصيلاً عاطفياً كما يظنّ البعض، إنّها أقدم وثيقة إنسانية.
قبل أن يخترع الانسان الكتابة، كان يبكي. وقبل أن يتعلّم كيف يسمّي الأشياء، كان يعرف أنّ الفقد يخرج من العين. حتى العلم الحديث، بكلّ بروده، وقف مُرتبكاً أمام هذه الظاهرة: لماذا يبكي الإنسان حين يحزن؟ ولماذا يبكي أيضاً حين يفرح؟ ولماذا يشعر، بعد البكاء، كما لو أنّه نجا قليلاً من نفسه؟
الأطباء يقولون إنّ دموع الحزن تحمل مواد كيميائية تختلف عن دموع تنظيف العين، كأنّ الجسد يحاول أن يُخفّف سموم الألم بإخراجها. لكن هذا التفسير، رغم دقّته، يبدو ناقصاً أمام امرأة تبكي ابنها، ناقصاً أمام وطن يبكي شبابه، ناقصاً أمام تلك الرعشة التي تصيب الصوت حين ينكسر القلب فجأة.
الشرق كلّه عبارة عن نهر طويل من الحزن، يبدأ من سومر ولا ينتهي عند السويداء
حتى الحيوانات تعرف الحزن. فالفيلة تعود إلى عظام موتاها بعد سنوات، تتحسّسها بخراطيمها بصمتٍ مهيب. الحيتان تحمل صغارها الميتة فوق الماء أيّاماً، كأنّ الأمومة فيها أقوى من قوانين البحر. والشمبانزي يبقى قرب جثة صغيره، يلمسه، يحرسه، يرفض أن يفهم أنّ الجسد الذي كان دافئاً صار بارداً.
كأنّ الحزن قانون سرّي للكائنات التي أحبّت بصدق. أمّا الإنسان، فقد حوّل الحزن إلى حضارة كاملة.
في سومر، كتبت النساء مراثي المدن المحروقة. تخيّل عظمة الفكرة: مدينة تبكي مدينة. وفي الإغريق، كانت المأساة ضرورة روحية، لأنّ الروح التي لا تبكي تتحوّل بالتدريج إلى معدن صلف. كما إنّ المتصوّفة فهموا البكاء بطريقة أكثر عمقاً، كانوا يرون أنّ القلب حين يمتلئ بالله أو بالفقد، يفيض. ولهذا كانت دموعهم تشبه الاحتراق الداخلي. جلال الدين الرومي كتب مرّة أنّ الروح تبكي لأنّها
ارسال الخبر الى: