كشفت دراسة حديثة أن تقنيات التحنيط سبقت مصر القديمة بآلاف السنين إذ مارسها صيادون وجامعو ثمار في جنوب الصين وجنوب شرق آسيا من خلال تجفيف موتاهم بالدخان فوق نار هادئة ثم دفنهم قبل 12 ألف عام وحتى أربعة آلاف عام مضت بحسب الدراسة التي نشرت يوم 15 سبتمبر أيلول الحالي في مجلة PNAS يمثل هذا أقدم دليل معروف على التحنيط في التاريخ أقدم بكثير من تحنيط مصر القديمة ومومياوات شعب تشينتشورو في تشيلي تظهر السجلات الإثنوغرافية أن هذا التقليد لم ينقطع تماما إذ واصلته مجتمعات في مرتفعات غينيا الجديدة وأجزاء من جنوب أستراليا حتى الأزمنة الحديثة لذلك يمكن اعتبار هذه المحاولات هي الإرهاصات الأولى لعلم التحنيط الذي تطور لاحقا وبلغ ذروته في مصر القديمة جمع الفريق البحثي بين مشاهدات ميدانية وفحوص مخبرية لعظام بشرية من مواقع عديدة تعود إلى الفترة بين 12 ألفا وأربعة آلاف سنة وعلى امتداد عشرات المواقع ظهرت علامات متكررة قبور بأوضاع مقرفصة أو جاثية بإحكام وهياكل عظمية بقيت متماسكة من دون تفكك يذكر وآثار احتراق خفيف في مناطق قليلة العضلات مثل اليدين والقدمين عادة يؤدي تحلل جثة إلى ارتخاء المفاصل وتباعد العظام أما هنا فبقيت العظام مصطفة ومضغوطة كما لو أن الجسد جفف وفقد رطوبته قبل دفنه تقول المؤلفة الرئيسية للدراسة هسياو تشون هنغ Hsiao Chun Hung توضح هنغ في تصريحات لـالعربي الجديد أن هذه السمات تتعارض مع قبور العصر الحجري الحديث اللاحقة في المنطقة إذ ساد الدفن بوضع الاستلقاء التام على الظهر ويرجح الفريق أن هذا التحول يعكس تغيرا كبيرا في عادات الدفن مع انتشار الزراعة وأنماط العيش المستقرة برزت الفكرة لأول مرة خلال استراحة ميدانية عام 2017 في موقع باو دو بوسط فيتنام عندما ناقش الفريق قبورا بدت فيها الجثث وكأنها وضعت جلوسا ومسندة إلى صخور كبيرة وفي عام 2019 زار الباحثون وامينا في بابوا إندونيسيا لمعاينة مومياوات مدخنة ما تزال محفوظة لدى عائلات بدت أوجه الشبه قوية لكن معظم الهياكل الأثرية لا تحمل سواد الحرق الواضح ما يعني أن التجفيف جرى بحرارة لطيفة وطويلة تكفي لتجفيف الأنسجة من دون تفحم العظم تشير المؤلفة الرئيسية للدراسة إلى أن تجفيف الجثث في جنوب أستراليا وبابوا غينيا الجديدة كان يتم داخل ملاجئ خاصة مع نار هادئة ودخان مستمر وقد يستغرق إعداد مومياء واحدة أسابيع أو حتى ثلاثة أشهر من العناية اليومية التي تشمل حفظ النار وضبط الدخان والحرارة ومراقبة الجسد تفسر هذه العملية بقاء الهيكل متماسكا إذ يمنع الجفاف الشديد تفكك المفاصل بعد الدفن وتفسر أيضا وجود آثار حرق انتقائية على أطراف رقيقة اللحم دون سواها تقول هنغ للتأكد من صحة هذه الفرضية فحص الفريق البصمات الحرارية داخل العظم نفسه من خلال استخدام تقنيتين مستقلتين الأولى هي حيود الأشعة السينية والثانية هي التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء بتحويل فورييه تكشف هاتان الطريقتان تغيرات مجهرية في معادن العظم تتركها الحرارة المنخفضة حتى لو لم يتغير لون العظم تمكن الفريق من تحليل عظام 54 دفنا عبر 11 موقعا أثريا وجاءت النتائج متسقة مع الفرضية إذ أظهرت تعرض العظام لحرارة منخفضة الشدة توافق فترات طويلة من التدخين والدفء من دون التعرض لحرارة عالية تكلس العظم أو تحرقه تظهر العينات المؤرخة أن الممارسة كانت واسعة في جنوب الصين وفيتنام وإندونيسيا خلال الفترة بين 12 ألفا وحتى 4 آلاف سنة مضت مع إشارات إلى امتدادها إلى شرق آسيا واليابان وربما جذور أقدم من 20 ألف سنة في أجزاء من جنوب شرق آسيا بعد ذلك خفت تدريجيا مع انتشار أساليب عيش جديدة لكنها لم تختف تماما إذ استمرت في بعض أنحاء جنوب أستراليا وبقيت حية في مجتمعات من مرتفعات غينيا الجديدة حتى أزمنة قريبة توضح هنغ أن هذه النتائج لا تغير الجدول الزمني للتحنيط فحسب بل تعيد النظر في أفكار راسخة حول تطور الطقوس إذ يفترض كثيرون أن الممارسات الجنائزية المعقدة ارتبطت بالاستقرار الزراعي والفائض الغذائي والتراتبية الاجتماعية لكن الدليل الجديد يظهر أن مجتمعات متنقلة أو شبه مستقرة في غابات مدارية وسواحل رطبة طورت تقنيات دقيقة ورعاية جماعية طويلة لتكريم موتاها في جنوب أستراليا وبابوا غينيا الجديدة توضح السجلات أن تجهيز مومياء مدخنة واحدة قد يستغرق حتى ثلاثة أشهر من العناية المتواصلة هذا الاستثمار الزمني والوجداني يشير إلى منظومات اعتقاد قوية حول الذاكرة والقرابة والارتباط بالأسلاف تقول الباحثة