تأمل يجري مجرى الطريق
ألجأ أحياناً إلى الكتابة حين يضيق صدري بشتات أمري، ولا يتسع ذهني لاجترار أفكاري. أفيض بالحيرة على قِطَع الليل، علّني أشعر بالبطء في زمن تتجاوز سرعته قدراتي الاستيعابية. سرعةٌ تعيق النظر، وأنا أحب أن آخذ وقتي في التحديق.
أمدّ عينيّ إلى الداخل، فأجد ما لا أستطيع احتماله: نزوع نحو التزكية وهوس بالسيطرة. أشعر أنني أنظر من مسافة بعيدة، فلا أستطيع التمييز بين نزوعي وهوسي، وعندها تختلط الأمور عليّ. أحب في تلك اللحظات أن أزيد الخلط خلطاً، فأعبّر عن الشعور بالفكرة وعن الفكرة بالشعور، على الرغم من أن التأمل الذاتي يتطلب التمييز بينهما. أو هكذا يقولون، بنبرة المعالج النفسي: إنه يتطلب التمييز بينهما!
كُتبت أغانيّ في خواء شخصية المدينة التي أعيش فيها؛ مدينة لأهل المال والسلطة طيبة، وللمفاليس دار الضنك والضيق. أحاول الهرب من حيرتي وأمشي في شوارعها، أتخيل العمارات تُقصف فتنتابني نشوة حزينة؛ هل علينا أن نتساوى في الألم حتى نستحق العيش بكرامة؟ هل أنا حقاً غير مهدَّد وجودياً حيث أعيش؟
أمدّ عينيّ إلى الداخل، فأجد ما لا أستطيع احتماله: نزوع نحو التزكية وهوس بالسيطرة
القرى المجاورة لهذه المدينة تُباد بهدوء، بينما أطرح هذه الأسئلة خلال تسكعي في وسط البلد. بطبيعة الحال، أتسكع في الأوقات التي تركن فيها مركبة الشرطة على الدوار، أي خارج أوقات الاقتحام، لأنك خلاله لن تجد الشرطة في مكانها. هذا مؤشر جميل قد يطوّر لديك ملكة التنبؤ بأوقات الاقتحام.
أشعر براحة مُريبة عند بلوغ هذا الحد، وأشعر بأحقية التمسحة للحظات — وهو تعبير لوصف تبلّد المشاعر وربما اختلاطها.
أرغب الآن في تأمل أروقة طلب العلم، يا لروعة التسمية وجلال الطلب وعِظَم المطلوب. أحياناً تهمس لي خواطر بتحويل المكان الذي أدرس فيه إلى محل خضروات، أو ربما ملاهي أطفال. قد يكون في ذلك جدوى ما، عوضاً عن تفنّن بعض مفكرينا العظام في أشكال الانسلاخ من الذات.
أشبَعونا كلاماً عن موضوعية لم تكن سوى تمرير أيديولوجيات العصر البائسة، في مفارقة مضحكة من إدخال ذواتهم في قاعات الدرس ومحاولات
ارسال الخبر الى: