منذ ساعات الصباح الأولى يقف فيصل الأحمد أبو محمود الموظف المتقاعد البالغ من العمر 68 عاما أمام صراف آلي في ساحة المحافظة بدمشق يحدق في الشاشة التي تعيد العبارة ذاتها مع كل محاولة لا يوجد رصيد كاف يمتد الطابور على الرصيف ويجلس بعض المنتظرين على حافة الشارع بانتظار تغذية الصراف بعد أكثر من ساعة من الانتظار غادر المكان بلا نتيجة بعدما قيل له إن السيولة لم تصل بعد على بعد أمتار قليلة وفي الساحة ذاتها كانت منال سليق أم خالد تقف مستندة إلى عصاها تحاول الاحتماء من البرد وصلت باكرا خوفا من نفاد السيولة لكنها انتظرت قرابة ساعتين قبل أن يتوقف الصراف عن العمل نهائيا تقول لـالعربي الجديد إن الوقوف لم يكن المشكلة بل العودة إلى المنزل بلا معاش في وقت لم يعد لديها خيار لتأجيل شراء الأدوية وفي حي المزة تنقل صلاح الإبراهيم أبو نزار بين صرافين آليين خلال يوم واحد في كل مرة كان المشهد متشابها ازدحام شديد محاولات سحب فاشلة ورسائل أعطال متكررة أنفق ما تبقى معه على المواصلات ليكتشف في النهاية أن الصرافات إما بلا سيولة أو خارج الخدمة يقول لـالعربي الجديد إن المعاش لا يتأخر فحسب بل يستهلك قبل أن يصل في رحلة البحث عنه داخل المدينة هذه المشاهد التي تتكرر يوميا في ساحة المحافظة وأحياء دمشق تعيد إلى الواجهة مجددا أزمة تأخر صرف رواتب ومعاشات المتقاعدين وهي أزمة لم تعد تقرأ بوصفها خللا تقنيا عابرا بل باتت تعكس إشكاليات أعمق في المنظومة المالية والمصرفية في وقت تعتمد فيه عشرات آلاف الأسر على هذه الرواتب مصدر دخل أساسيا وأحيانا وحيدا وفي هذا السياق قال مدير في المؤسسة العامة للتأمين والمعاش حسن خطيب لـالعربي الجديد إن كتلة معاشات المتقاعدين جرى تحويلها يوم الخميس 5 فبراير شباط الجاري وفق الآلية الجديدة لتنظيم مواعيد صرف الرواتب بين مؤسستي التأمينات الاجتماعية والتأمين والمعاش مقدرا الكتلة المحولة بنحو 280 مليار ليرة سورية الدولار نحو 11 610 ليرات وحسب الآلية المعتمدة أشار إلى أنه سيجري تحول كتل رواتب ومعاشات المتقاعدين لدى مؤسسة التأمينات الاجتماعية بين الأول والخامس من كل شهر في حين تحول معاشات المتقاعدين لدى مؤسسة التأمين والمعاش بين السادس والعاشر من الشهر وبناء عليه جرى تحويل الكتلة المالية مع نهاية الأسبوع الماضي الذي صادف الخامس من الشهر الحالي وبررت المؤسسة السورية للبريد من جهتها تأخر صرف رواتب المتقاعدين ورواتب التأمينات الاجتماعية التي تصرف عادة في مطلع كل شهر بعدم تسلم الكتل المالية والجداول الرسمية من الجهات المختصة ضمن المواعيد المعتادة ما أدى إلى تأخير تنفيذ عمليات الصرف ويرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن تأخر صرف رواتب المتقاعدين خلال الشهر الجاري يمثل مؤشرا واضحا على عمق التحديات التي تواجه النظام المالي في سورية ويكشف عن اختلالات متراكمة في إدارة السيولة والقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية ضمن المهل الزمنية المحددة ويؤكد أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن طبيعة عمل المصارف الحكومية التي ما تزال تعتمد كثيرا على إجراءات تقليدية وبيروقراطية تبطئ تنفيذ العمليات المالية وتقيد مرونتها في التعامل مع حالات الضغط النقدي ويشير عمر في حديثه مع العربي الجديد إلى أن الاعتماد المفرط على المعاملات الورقية وسلاسل الموافقات الإدارية الطويلة إلى جانب شح السيولة النقدية وتراجع المخزون المتوافر لدى المصارف يضاعف من تعقيد عملية الصرف ويحد من قدرة الجهات المعنية على الاستجابة السريعة لاحتياجات شريحة واسعة من المواطنين ولا سيما المتقاعدين الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على رواتبهم الشهرية لتأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء ودواء وإيجارات ولا يقف التأخير عند حدود الإجراءات المصرفية فحسب بل يتقاطع بحسب عمر مع ضغوط أوسع تتعلق بإدارة المالية العامة وتذبذب التدفقات النقدية وتحديات تأمين السيولة اللازمة لتغطية كتلة الرواتب في مواعيدها ويضيف أن محدودية قنوات الصرف والضغط الكبير على نقاط الدفع المتاحة يلعبان دورا إضافيا في إبطاء العملية رغم الجهود المبذولة لمتابعة ملف الصرف ويؤكد الباحث الاقتصادي أن تأثير تأخر الرواتب يمتد إلى ما هو أبعد من الجانب المعيشي المباشر ليطاول الاستقرار الاجتماعي والنفسي لفئة المتقاعدين وفي ما يتعلق بالعبء المالي كانت قد أعلنت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية عن تنفيذ المرسوم رقم 103 لعام 2025 الذي نص على زيادة بنسبة 200 على المعاشات التقاعدية إذ بلغت الكتلة الإجمالية لرواتب المتقاعدين بعد تطبيق الزيادة 423 مليار ليرة سورية وبلغ عدد المستفيدين من هذه الزيادة وصل إلى 475 994 متقاعدا