تأثير فلسفة اللاعنف عند تولستوي على غاندي

36 مشاهدة

في رسالة كتبها في أواخر أيام حياته، يوجّه ليف تولستوي خطابه إلى مهاتما غاندي، الشاب الذي كان يخوض حينها محاولاته الأولى في تنظيم العمال الهنود جنوب أفريقيا. شكَّلت هذه المراسلات نقطة التماس الحاسمة بين أفكار اللّاعنف النظرية المكتوبة على الورق وتطبيقاتها الميدانية الحية التي ستغير جغرافية العالم لاحقاً.

عززت أطروحات تولستوي لدى غاندي رؤيته للمفهوم الهندوسي والجايني القديم الأهيمسا (اللّاعنف)، فعمل على إعادة تأويله سياسياً ونقله من النطاق الروحي الفردي إلى ساحة المواجهة الشاملة. حوّل غاندي هذه الرؤية الأخلاقية التي صاغها صاحب الحرب والسلام إلى برنامج عمل سياسي منظم يُعرف بـالساتياغراها (مقاومة الحقيقة)، ليصبح العصيان المدني ومسيرات الملح أسلحة قادرة على تفكيك أركان إمبراطورية كاملة دون اللجوء إلى السلاح. يتجلى الأثر العميق لتولستوي في إصرار غاندي على أن الوسائل تشكل طبيعة الغايات، وأن التمسك بالعنف ينتج في النهاية مجتمعاً قائماً على العنف، بصرف النظر عن النيات النبيلة للثوار.

الأزمة الروحية وتفكيك مفاهيم الحياة

في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، اكتمل في نفس ليف تولستوي تحول روحي حاد جرفه بعيداً عن أوهام طبقيته ومؤسسات عصره. نجد صدى هذا المخاض العميق في كتابي قانون العنف وقانون المحبة... مختارات من كتاباته الفكرية والفلسفية وملكوت الله في داخلكم (ترجمة هفال يوسف، دار آفاق للنشر، القاهرة، 2026)، وتتبدى مواجهته الشاملة مع هيئات الحكم وأشكال التدين السائد، ويتبلور يقينه بقسوة النظم التي تصوغ شقاء البشر.

ترك تولستوي أثراً عميقاً في دعوة غاندي إلى العصيان المدني

ويتأمل تولستوي مسار الوعي البشري عبر التاريخ، فيراه يتدرج عبر ثلاث درجات لمعنى الوجود؛ يمثل المفهوم الشخصي (أو البهيمي) أولى هذه الدرجات؛ إذ ينحصر المعنى داخل حدود الذات المباشرة، وتغدو الغاية المشتهاة تحصيل اللذة وتلبية الرغبات الفردية. تأتي بعده خطوة أوسع في المفهوم المجتمعي (أو الوثني)، وفيه يتنازل الفرد عن مسرّاته الذاتية ليذوب في كيان أكبر مثل القبيلة أو الأسرة أو الدولة، متحولاً إلى حارس للحدود وممجدٍ للرؤساء. أما ذروة هذا التطور فتتكثف في المفهوم الإلهي (أو الكوني)، حيث يتجاوز الإنسان

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح