بيكاسو وتفكيك الجسد شهادة على التشوهات الإنسانية في الحرب
90 مشاهدة
لم يكن تفكيك الجسد عند بيكاسو مجرد توجه جمالي شكلي بل جاء في لحظة اهتزت فيها الثقة بالمنظور الكلاسيكي الذي ساد لقرون وافترض وجود زاوية رؤية واحدة وثابتة عبر تقسيم الوجه والجسد إلى مستويات هندسية متعددة أعلن الفنان الإسباني أن الحقيقة ليست منظورا واحدا بل تركيبا معقدا من زوايا متداخلة التي يلخصها في مقولته الفن هو الكذبة التي تساعدنا على معرفة الحقيقة في معرض بيكاسو تصور الشكل الذي افتتح في متحف اللوفر بأبوظبي نهاية يناير كانون الثاني الماضي ويتواصل حتى نهاية مايو أيار المقبل يقدم أكثر من 130 عملا فنيا من لوحات ومنحوتات ورسومات وخزفيات معارة من مؤسسات ومجموعات في فرنسا وقطر ولبنان والإمارات وغرب آسيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب يستجيبون لإرث بيكاسو التكعيبي يضع المعرض الجسد الإنساني بوصفه مبحثا أو ثيمة أو محورا مركزيا ومساحة تاريخية وسياسية متحولة وقابلة لإعادة التأويل نحن هنا لسنا بصدد التحولات الأسلوبية التي قادت إلى التكعيبية بل أمام مسار أعمق انتقال الشكل من كونه تجربة بصرية إلى كونه شهادة على اضطرابات القرن العشرين تأسست المدرسة التكعيبيةnbsp في باريس في مطلع القرن العشرين ثورة على الرسم التقليدي في سياق كان مشحونا بالتوترات السياسية التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى وانعكس ذلك على عالم الفن والأدب بدوره فعندما ظهر بابلو بيكاسو وجورج براك بأعمالهما الأولى 1907 1914 كانوا يفككون الشكل كما لو أنهم يفككون يقينا حضاريا كاملا العالم لم يعد مستقرا فلماذا تكون الصورة طبيعية أو مستقرة يضم المعرض 130 عملا فنيا من لوحات ومنحوتات ورسومات وخزفيات nbsp في بدايات التكعيبية كما في لوحة امرأة مع الماندولين بدأ بيكاسو بتفكيك الجسد وإعادة تركيبه هندسيا في خطوة بدت آنذاك ثورة على تقاليد المنظور الكلاسيكي غير أن هذا التفكيك لم يكن مجرد مغامرة شكلية بل كان إدراكا ووعيا ذاتيا بأن العالم يفقد تماسكه وصورته الطبيعية ونمطه المعتاد اندلعت الحرب العالمية الأولى وفجرت معها المعارك والأزمات السياسية فتحول الجسد في أعماله إلى سجل بصري للعنف والقلق كما يتجلى بوضوح في غرنيكا حيث لم يعد الشكل مسألة جمالية بل أداة قصصية تروي ويلات الحروب إدانة وشهادة في آن في المعرض تجسد لوحة النحات واحدة من أكثر لحظات بيكاسو كثافة الجسد هنا ليس جسدا بل فكرة تتفتت أمامنا ثم تعاد صياغتها الوجوه مزدوجة العيون تنظر من زاويتين في الوقت نفسه والأنف والفم لا يخضعان لمنطق التشريح بل لمنطق الرؤية الداخلية كأن الإنسان لم يعد كتلة واحدة بل مجموعة احتمالات متراكبة وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى تحول الشكل الإنساني إلى شهادة بصرية على العنف ولم تعد الأجساد مجرد عناصر أو أجزاء من قصة ما تقدمها اللوحة بل صارت أشلاء عيون مجردة تنظر بفزع للقتل الجماعي والانهيار الأخلاقي كذلك الحال في امرأة تنوح حيث أصبح الألم بنية هندسية فالوجه المكسور إلى زوايا حادة يجسد حالة وجودية كاملة الجسد هنا ليس جميلا ولا مثاليا بل هشا وممزقا جرى تكسيره يتحول الجسد في أعماله إلى سجل بصري للعنف والقلق nbsp انتقل بيكاسو هنا من التفكيك بوصفه بحثا جماليا إلى التفكيك باعتباره خطابا سياسيا وإنسانيا الفن لم يعد مجرد تمثيل بل مرآة سقطت عليها مطرقة فهشمتها وهذا ما أقر به في حواراته مع النحات السويسري ألبرتو جياكوميتي بعد الحرب العالمية الثانية كان السؤال يدور حول كيفية تمثيل الإنسان في عالم فقد براءته وكيف يمكن للفن أن يستوعب تجربة العنف دون أن يختزلها معرض تصور الشكل ليس استعادة تاريخية لمسيرة بيكاسو فحسب إنما يتيح للزائر فرصة قراءة معاصرة لعالم تتشظى فيه الهوية تحت ضغط السرعة الرقمية الجسد الذي مزقته الحروب في القرن العشرين يجد صدى وبعدا جديدا في الجسد الرمزي الذي يعاد تشكيله اليوم عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين nbsp بين التفكيك الفني في زمن الحرب والتفكك الرمزي في زمن الخوارزمية يبقى السؤال واحدا كيف يحافظ الإنسان على تماسكه الداخلي في عالم يميل باستمرار إلى تجزئته لا يقدم المعرض إجابة نهائية لكنه يضع هذا السؤال في قلب التجربة البصرية ويذكرنا بأن تلك اللوحات لديها قدرة غريبة على إظهار هشاشة الإنسان وقابليته الدائمة لإعادة التعريف رغم مرور نحو قرن من الزمان على رسمها